"إسمي جورج وأنا من المكسيك وزوجتي من تايلاند. تعارفْنا هنا في كاليفورنيا وتزوَّجنا.
وبعد أن انتهيتُ من مسؤولياتي تجاه تعليم ولديَّ تقاعدتُ من عملي، وظلَلْتُ ثلاثَ سنوات في البيت نرفِّهُ عن نفوسنا أنا وزوجتي بالسفر والرحلات. لكنَّني عُدتُ إلى العمل كما تروْنَني الآن كسائقِ تاكسي." هكذا عرَّفنا عن نفسه جورج حين ركبت وزوجي في سيارته ليُقِلَّنا إلى حيث نريد الذهاب. ولما استفسرْناه عن السبب الذي عاد فيه إلى العمل قال جورج: "أنا أحبُّ أن أتعرَّفَ دائمًا إلى أناسٍ جدُد. كما أحبُّ أن أتحدَّث معهم وفي هذا ما يُسرُّني إذ أقابل في عملي هذا العديدَ من الناس ومن خلفيات مختلفة."
قلت له: "هذه صفةٌ جميلة ومميّزة لديك يا سيّد جورج إذ تحبّ أن تبني جسورًا مع الناس وتؤسّسَ علاقات معهم." قال: "شكرًا. وهذا العمل يناسبنُي جدًّا لأنَّه يخضع لرغبتي أنا. فأنا أملكُ السيارة وأعمل خلال الأسبوع ماعدا أيام السبت والأحد؟ وأستطيع أن أعطِّل متى شئتُ." فقلت له:" طبعًا أنت بحاجة إلى وقتٍ للراحة وكذلك يوم الأحد مخصّص للذهاب إلى الكنيسة. أليس كذلك؟" قال: "نعم، أنا أحضرُ القدَّاس يوم الأحد وكذلك ترافقُني زوجتي. كما أذهبُ أنا معها إلى معبدِ بوذا حيث تصلّي. لأنَّها تؤمن بـ بوذا. وكلٌّ منا يحترم الآخر." قال له زوجي: "هل تقرأ الإنجيل؟" قال: "طبعًا. فأنا كاثوليكي." "وهل تشارك زوجتَك برسالة الإنجيل؟" تابع سؤاله. قال: "لا أبدًا. فنحنُ الاثنانِ متَّفقانِ تمامًا ولا داعي لكي يؤثِّرَ واحدُنا على الآخر في شأن الدين. إذ هناك حرّيةٌ واحترامٌ بيننا." قلتُ له: بالتأكيد أنت تعلم يا جورج ما قاله يسوعُ المسيح عن نفسه." أنا هو الطريقُ والحقُّ والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلّا بي." (يوحنا 6:14) لأنَّه وحده قدَّم نفسه على الصليب ليمنحَنا نحن البشر الخطاة غفرانًا أكيدًا وحياة أبدية." صمَت ولم يعترض. وبعد لحيظات أضاف: "لقد درستُ اللاهوت لسنةٍ كاملة بناءً لرغبة والديّ لكنَّني لم أجدِ الدراسة مناسبةً لي كما نصحَاني. وقال لي أحدُ الكهنة في كلّيّة اللاهوت مرّةً: لا تتكلّم في الديانة ولا في السياسة لأنَّ لكلٍّ رأيَه في هذيْن الموضوعين حتى لا تصطدِمَ مع أحد وتحافظ على الصداقة."
سأله زوجي: "هل تصلّي زوجتُك لـبوذا؟ كيف هذا وهو مخلوقٌ؟ ألا تتساءل مثلًا مَن خلَق هذا الكونَ ومن خلقَ الإنسان؟ "أجاب: "أنا لا أسألُها هذه الأسئلة ولا أناقشُ معها." "وماذا عن أولادك يا جورج؟" تابع زوجي. قال: "لديَّ بنت وصبي. والآن كلاهُما متزوِّجان ولديهما أولاد ويعملان في مراكزَ مرموقة محترمة. هما اعتمَدا في الكنيسة حين كانا صغارًا. وحين كَبُرا تركْنا لهما حريَّةَ الاختيار فهذا حقُّهما." عندها شاركتُ معه أنا عن خدمتِنا الإذاعيّة والبرامج التي قدَّمناها عبرَ الراديو إلى العالم العربي. وكيف كان المستمعون وخاصةً الشباب منهم يطلبون أن يحصلوا على الإنجيل لكي يقرأوه إذ لم يَسمعِ الكثيرون منهم عن بشارة الإنجيل السارة آنذاك. وقلت له كنا نرسلُ لهم الإنجيلَ الصغيرَ المطبوع على ورقٍ رقيق في داخل الرسائل. وكيف كان الكثيرُ منهم يتجاوب مع دعوةِ المسيح ويؤمنُ به.
وقبل أن نفترقَ قلتُ له: "حبَّذا يا جورج لو تقرأ الفصل الثالث من إنجيل يوحنا حين تَقابَلَ الربُّ يسوع مع شخصٍ اسمه نيقوديموس وهو معلِّمٌ للناموس. إذ فسَّر له يسوع كيف يمكن أن تكونَ له علاقة حيّة مع الله حين يختبرُ الخليقةَ الجديدة." وهنا شكرَنا ومن ثمَّ ودَّعناه وقلنا حقًّا كان الحديثُ ممتعًا جدًا يا جورج آملين أن نلتقيَك مرّةً أخرى في رحلاتنا التنقُّليّة في المدينة، خاصة أنَّ مكانَ سكناك قريبٌ بعضَ الشيء من بيتنا". قال: آمَلُ ذلك." تركناه، لكنَّ الحديثَ معه لم يغِبْ عني. وبدأتُ أصلي من أجل جورج لكي ينيرَ روحُ الله بصيرتَه ويتعرَّفَ بالحقّ على الربّ يسوع المخلِّص الوحيد الذي "جاء لكي يطلبَ ويخلِّص ما قد هلَك." (لوقا 19:10)
وفي اليوم التالي حدث أنَّني قرأت في كتيب خبزنا اليومي عن أغسطينوس وعمَّا كتبه في اعترافاته إذ تصارعَ أغسطينوس مع الفكرة في كيف يمكن لله أن تكون له علاقة معه هو. وكيف لخالقِ هذا الكون الفسيح القدير أن يأتيَ ويسكنَ في قلبٍ صغير ونجسٍ كقلبه. وكان يلحُّ على الله في صلاته كيما يجعلَ ذلك مستطاعًا لديه فكتب: بيتُ قلبي ضيّقٌ. أوسِعْهُ لي حتى تدخلَ إليه وتحلَّ فيه. إنَّ قلبي محطَّمٌ، أصلِحْهُ أنتَ بيدِك. هناكَ أشياءُ فيه تُهينُ عينيكَ. أنا أعترفُ بذلك. لكنْ مَن يقدُر على تطهيري، أو لِمنْ أصرخُ وأبكي، فليس هناكَ سواك يسمعُني." واليوم نعلم أنَّ أغسطينوس هو القدّيس، والفيلسوف المحترم، واللَّاهوتي المعروف. لكنَّه رأى نفسَه ساعتئذٍ كيفَ كانَ وكيف تغيَّر وتحوّلَ بواسطة روحِ الله القدوس الذي ولدَه بالروح مثلَما قال الربُّ يسوع لنيقوديموس: "المولودُ من الجسد جسدٌ هو والمولودُ من الروح هو روح." هذه هي الولادة من فوق. نعم، فالصلاة والتذلُّل أمامَ الله حين نعرفُ أنفسَنا بأننَّا خطاة، هو الطريقُ الوحيد الذي يصِلُنا بالله الآب. ألم يقلِ الربُّ يسوع "لأنه هكذا أحبَّ اللهُ العالم حتى بذَل ابنَه الوحيد، لكي لا يهلِكَ كلُّ مَن يؤمن به، بل تكونُ له الحياةُ الأبدية" (يوحنا 16:3)؟
نظرةٌ واحدة إلى عالمنا المحطّم اليوم، وإلى الإنسان الذي يعيشُ صراعاتٍ داخلَ نفسِه وخارجَها حيثُ القتالُ مستمرّ مع أخيه في الإنسانية، نظرةٌ واحدة تجعلُنا نخرُّ على وجوهِنا راكعينَ على رُكَبِنا بتواضعٍ طالبينَ من الله أن يترأَّفَ على هذا العالم الذي تمزِّقُه الحروب والخصومات التي منبعُها الأنانيّة والجشع وحبُّ الذات وحبُّ السيطرة الذي تمارسُه الحكوماتُ والدول على بعضِها البعض ويدفعُ الإنسانَ البريء ثمنَ كلِّ ذلك بحياته وأولاده وأمواله وممتلكاته. ثم ماذا عن إخوتنا المضطهدين من أجل إيمانهم في بقاعٍ عديدة على هذه الأرض كنيجيريا والسودان والآن سوريا وفلسطين... وهل نوسِّع دائرةَ الصلاة لدينا لكي تشملَ المتألمين والمظلومين والنازحين والفقراء والأرامل ونطلبُ نشرَ العدلِ والسلام كما أوصانا الكتاب؟ "طوبى لصانعي السلام لأنَّهم أبناءَ الله يُدعوْن." (متى 9:5)
لِنُصلِّ من أجل أن يفتحَ الله بصيرة كثيرين كي يقبلوا الرب يسوع كمخلّص. فيحصلون بالتالي على الغفران الأكيد والحياة الأبدية. وحريٌّ بنا نحن الذين آلتْ إلينا أواخرُ الدهور أن نتقدَّم بثقة إلى عرش النعمة لنشفعَ بكثيرين. وهنا ارتأيتُ أن أسلِّطَ الضوءَ على هذا النَّثر -الذي كنتُ قد ترجمتُه منذ أربعِ سنوات – إذ يحكي عن أهميّةِ الصلاة والتضرُّع أمام الله:
على رُكْبتَيَّ
ليلةَ البارحةْ ذهبْتُ في رحلة
إلى أرضٍ عبرَ البحارْ
لم أذهبْ بالباخرة أو الطائرةْ
بل سافرتُ وأنا جاثٍ على رُكبَتَيَّ
***
رأيتُ الكثيرَ من الناس هناكْ
وهم مكبّلونَ في خطاياهمْ
"عليكَ أن تذهب" قال يسوع
"فهناكَ نفوسٌ ينبغي ربْحهُمْ"
***
"لا أستطيعُ الذَّهاب" قلتُ ليسوع
إلى أرضٍ عبرَ البحارْ
"نعمْ تستطيع" جاءني الجوابْ
"بالسفرِ وأنتَ جاثٍ على ركبتيْكْ"
"صَلِّ فلسوفَ أُسدِّدُ الاحْتياج" قال:
"أطلُبْ ولسوفَ أعطيكْ
فالمسؤوليةُ مُلْقاةٌ عليكْ
من أجلِ النفوس الضالَّة من بعيدٍ وقريبْ"..
ففعلْتُ وجثوتُ وصلَّيتُ
وتخلَّيْتُ عن ساعاتٍ من الرَّاحةْ
والمخلّصُ إلى جانبي
وسافرْتُ وأنا جاثٍ على ركبتيَّ
وبينَما أنا أصلِّي، رأيتُ نفوسًا تخلُصُ
وأشخاصًا من حالتهم يبرؤون
وعاملينَ للربِّ يتقوُّونْ ويتشدَّدونْ
بينمَا في حقلِهِ يعمَلونْ
***
قلتُ:" نعمْ يا ربْ، سآخُذ هذهِ المَهمَّةْ
فأنْ أُسِرَّ قلبَكَ، هذا ما أريدُه
لسَوف ألبِّي النِّداء وحالًا سأذهبُ
وسأسافرُ وأنا جاثٍ على رُكَبتَيَّ"
فهل تُرانا نفعلُ؟


