5- "طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ."
وردت كلمة رحمة - "إليهوس" في الأصل اليوناني - 27 مرّة
في العهد الجديد، ومعناها: رحمة، ولطف، وشفقة، ورأفة، وحنان، وشعور وجداني مع الغير، وإحسان، ولطف. أي، إنّ الكلمة تعبّر عن أهمّ عمل من أعمال المحبّة.
ومن الآيات الّتي تتحدّث عن الرّحمة في العهد الجديد:
"فَاذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ." (متّى 13:9) "لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ، وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ." (لوقا 49:1-50)
"حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ، لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ." (تيطس4:3-5)
وفي العهد القديم تكرّرت 247 مرّة للتّعبير عن الإحسان والرّحمة أذكر بعضًا منها هنا:
"الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ." (خروج 6:34)
"إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ." (هوشع 6:6)
"... وَمَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَدَمْتُ لَكِ الرَّحْمَةَ." (إرميا 3:31)
الله محبّة، ومحبّته تشمل جميع النّاس بدون استثناء، وبسببها فهو يريد أن يرحمنا - يريد الله أن يعكس جميع النّاس طبيعة الله في تصرّفاتهم وأعمالهم؛ أي أن يحبّوا بعضهم بعضًا ويرحموا بعضهم بعضًا.
يريد الله أن تسود أعمال المحبّة والرّحمة بين النّاس، فهو يطوّب الرّحماء! ولكن ما نشهده في العالم اليوم يبعث على الحزن والألم والوجع والغضب المقدّس:
أين الرّحمة في قتل النّاس بطرق بشعة وعديدة مثل الحروب والتّجويع والحصار والطّرد والدّمار والحرق؟! أين الرّحمة في سرقة ممتلكات وتعبهم وجهودهم وخيراتهم؟ أين الرّحمة في الأحقاد والكراهية والأكاذيب والنّميمة وتشويه سمعة الغير؟ أين الرّحمة في عدم مساعدة المحتاجين والفقراء واليتامى والأرامل؟ أين الرّحمة في حرمان أشخاصٍ كثيرين من حقوقهم الإنسانية البسيطة مثل الحقّ في الطّعام والشّراب والسّكن والعلاج والتّنقل؟
نعيش هذه الأيّام في عالم مجرم وقاسٍ، فلا رحمة ولا شفقة في قلوب الكثير من الناس، ومن يخطئ تنهال عليه التهم والهجوم من كلّ جانب، بدلًا من مساعدته على التّوبة والبداية من جديد. وما أقل من يرحم ويساعد المسكين والمريض والمعاق والمحتاج، فقد انتشرت الأنانية والأحقاد بين معظم النّاس، وأصبح لسان حال الكثيرين يقول: المهم فقط هو احتياجاتنا وأمورنا الشخصية وشهواتنا ورغباتنا، دون رحمة أو شفقة بالآخرين.
لذلك ما أحوج الناس إلى سماع كلمات الرَّبّ يسوع المشجّعة: "طوبى للرحماء."
يريدنا الله أن نكون رحماء، فهو إله رحيم، فهل نرحم من يخطئ إلينا كما رحمنا هو أوّلًا؟
الرحمة تعني الغفران للمذنب والشعور بالشفقة تجاه المتألمين والمحتاجين... الرحمة يجب أن تكون صفة كل إنسان يؤمن بالرَّبّ يسوع المسيح ويتبع خطاه... الرّبّ يسوع المسيح هو مثال الرحمة الأعظم، بل هو الرحمة المتجسّدة!
أظهر الرّب يسوع رحمته للعالم في أيّام تجسّده في كلّ أعماله وتعاليمه: شفى المرضى، وأقام الموتى، ولمس الأبرص، وأطعم الجياع، وغفر الخطايا! ويُعتبر موت الرّب يسوع على الصّليب، ثمّ قيامته المجيدة، من أعظم أعمال الرّحمة للجنس البشري. فكلّ إنسانٍ يرحم الآخرين ينال رحمة الله، لأن: "الرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ". (مزمور 8:103) لذلك يحذّرنا الله قائلًا لنا: "لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً، وَالرَّحْمَةُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْحُكْمِ." (يعقوب 13:2)
*******************
كن قدوة
"كن قدوة للمؤمنين في الكلام... في الطهارة." (1تيموثاوس 12:4)
"وَعَبَدَ الشَّعْبُ الرَّبَّ كُلَّ أَيَّامِ يَشُوعَ، وَكُلَّ أَيَّامِ الشُّيُوخِ الَّذِينَ طَالَتْ أَيَّامُهُمْ بَعْدَ يَشُوعَ الَّذِينَ رَأَوْا كُلَّ عَمَلِ الرَّبِّ الْعَظِيمِ الَّذِي عَمِلَ لإِسْرَائِيلَ." (قضاة 7:2)
إن القدوة الصالحة والصورة التقويّة التي يراها فينا الآخرون والسيرة العطرة والتصرّف اللائق الذي نتجمّل به بين الإخوة المؤمنين وبين غير المؤمنين - في الداخل وفي الخارج – في الخفاء وفي العلانية -وبالإجمال- كل ما يبدو منّا وفينا نتيجة لعمل الله على أيّة صورة كانت، بالصمت أو بالكلام – إنما له تأثيره وله أثره في النفوس التي حولنا. وما أبرك أن نقرأ هنا أن "كلّ" أيّام يشوع كانت أيّام عبادة وأيام تقوى كان فيها الشعب يخاف الربّ ويتعبّد له. لا شكّ أن يشوع الذي كان هو وبيته يعبدون الربّ كان ذا تأثير جذّاب لكلّ النفوس التي كان يحتكّ بها، لأنّه كان إناءً صالحًا لخدمة الربّ.
كانت سيّدة عجوز تودّع إحدى خدام الله بعد أن قضى فرصة تبشيريّة في إحدى المدن فقالت له ليلة سفره: "أظنّ أنك ستكون مشغولاً الليلة في حزم حقائبك؟" فقال لها: "نعم، هناك أشياء قليلة سأرتّبها داخل الشنطة". فقالت له: "ولكن هناك شيئًا واحدًا لن تستطيع أن تحزمه مع باقي الأشياء... إنّك لن تستطيع أن تأخذ معك تأثيرك يا سيّدي." وهذا صحيح سواء كان تأثيرك طيّبًا وحسنًا أم كان غير ذلك. فأيّ تأثير ستتركه خلفك عندما يدعوك نداء الأبدية؟


