أعداد 2013

AdmaHabibiوعليه راح الراعي وإلى جانبه زوجته يصمِّمان على تحديد يوم معين لكي يكون موعدًا يفتتحان فيه أبواب الكنيسة لأهل المدينة ويبدآن أول اجتماع لهما. وحدَّدا ذلك الموعد على أن يكون ليلة عيد الميلاد أي في الرابع والعشرين من شهر كانون الأول.
وعلى أثر ذلك قام الزوجان بالعمل الدؤوب معًا، جنبًا إلى جنب ويدًا في يد. وأصلحا كلَّ ما يمكن إصلاحه وتحسينه، من مقاعد خشبية، وجدران مشققة، وقاما بطلاء القاعة بالألوان المناسبة الجميلة. وفي الثامن عشر من شهر كانون الأول وقبل الموعد الذي حدداه للانتهاء من العمل بأسبوع كانت قاعة الكنيسة شبه جاهزة تقريبًا لاستقبال العابدين والمصلين. لكنْ، حدث ما لم يكن في الحسبان إذ في التاسع عشر من الشهر ضربت عاصفة قوية الولاية حملت معها الأمطار الغزيرة استمرت لمدة يومين كاملين. وحين قام الراعي الشاب بتفقد الكنيسة في الحادي والعشرين من الشهر، فوجئ جدًا بالخراب الذي حلَّ بالقاعة وكاد قلبه أن يتوقف. لقد رأى سقف القاعة وقد تسرَّب منه الماء إلى الجدار خلف المنبر، ممَّا أدى إلى اقتلاع جزء كبير من طبقة الجص التي تغطي خشب الحائط. وهنا ما كان من الراعي الشاب إلاَّ أن شمَّر عن ساعديه وبدأ في تنظيف أرض القاعة من جديد وقد تأكد في داخله بأنَّه لا بدَّ من تأجيل موعد الخدمة الأولى المحدَّد في ليلة عيد الميلاد. وحين انتهى من عمله، قرَّر أن يعود إلى المنزل. وبينما هو في طريقه لاحظ أنَّ أحد المحال التجارية يعرض بضاعةً بأسعار زهيدة يعود ريعُها إلى عملٍ خيري. هنا، توقف قليلاً وراح يلقي نظرة سريعة على البضاعة الموجودة. فلفتتْ نظره قطعة كبيرة وجميلة من القماش مطرزة بألوان زاهية مشغولة باليد، كانت لغطاء طاولة بلون العاج. وفي المنتصف كان هناك شكلُ صليبٍ مزخرف يسحرُ الألباب. قال في نفسه: إن هذا الغطاء هو ما نحتاج إليه تمامًا لتغطية الحفرة في الحائط الأمامي خلف المنبر. وسرعان ما قام بدفع قيمة الغطاء وتأبَّطه وقفلَ راجعًا إلى الكنيسة. وبينما كان بعد في طريق العودة بدأت الثلوجُ تتساقط بكثافة. فشاهد امرأة متوسطة في العمر وهي تركض محاولةً اللحاق بالحافلة في الجهة المقابلة له في الشارع. لكنَّها للأسف لم تستطع. فتقدَّم منها الراعي وطلب إليها بأن تدخل إلى الكنيسة علّها تستريح قليلاً في مكان دافئ ريثما تحضُرُ الحافلة بعد خمسٍ وأربعين دقيقة أخرى. فقبلتْ. وجلست في أحد المقاعد ولم تعِرْ نفسها انتباهًا لما يقوم الراعي بعمله. إذ إنَّه أحضر سلَّمًا، وبعض الأدوات وصعد عليه وعلَّق الغطاء المطرز مغطيًا بذلك مكان الفجوة في الحائط خلف المنبر. وعندما تأمَّل المنظر من بعيد سرَّ جدًا لأنَّ المفرش المزركش كان قد أضفى رونقًا خاصًا على المكان بشكل عام.
وبعد قليل رأى المرأة تقترب إلى الأمام وكانَ وجهها أبيضَ من شدة المفاجأة. وسألته: أيها القس من أين أتيت بهذا الغطاء الملوَّن؟ فأخبرها بأنَّه اشتراه من أحد المحال التجارية الخيرية بسعرٍ زهيد. قالت له أرجوك أن تنظر لترى فيما إذا كان مكتوب على طرفه الأيمن هذه الأحرف المطرزة: ي، ب، ج. فلما فعل تأكد من ذلك وقال لها: نعم. لقد كانت هذه الأحرف المطرزة هي الأحرف الأولى من اسم المرأة نفسها. نعم، إنَّها بالفعل صاحبة الغطاء المزركش الجميل فلقد طرزته منذ خمس وثلاثين سنة حين كانت تعيش في النمسا (أوروبا).
فوجئت المرأة بالطبع حين أخبرها الراعي كيف اشتراه. وشرحت له المرأة كيف أنَّها وزوجها كانا ميسوري الحال في النمسا قبل وقوع الحرب العالمية الثانية. ولكن عندما أتى النازيُّون أجبرها زوجها على الرحيل، على أن يتبعها في الأسبوع الذي يليه. لكنَّه أُمسكَ، وأُرسل إلى السجن ولم تعد تراه، أو ترى بيتها الذي تركته منذ ذلك الحين. فما كان من الراعي إلاَّ أن عرضَ عليها أن تأخذ الغطاء لكنَّها رفضت ذلك وقالت له بأن يتركه في الكنيسة. فأصرَّ الراعي من بعدها أن يأخذها في سيارته إلى البيت ردًا على جميلها هذا على الرغم أنها كانت تسكن في الجانب الآخر من جزيرة ستيتين  Staten ولم تحضر إلى بروكلن في ذلك اليوم إلا لتقوم بتنظيف أحد المنازل.
وفي ليلة عيد الميلاد البهية افتُتحت الكنيسة وأقيمت فيها الخدمة الأولى وامتلأت من العابدين الذين ملأوا المقاعد. وصدحتْ أصوات الموسيقى العذبة، وكان روح الرب حاضرًا بكل وضوح في المكان. بالفعل لقد كانت ليلةً مباركة. وبعد انتهاء الخدمة وقف الراعي وزوجته يصافحان المصلّين الذين حضروا عند الباب حيث وعد الكثيرون منهم بالالتزام بالحضور الدائم. لكن بقيَ هناك رجلٌ متقدِّم في السن جالسًا في مكانه على المقعد، استطاع الراعي التعرُّف عليه لأنَّه كان أحد الجيران القاطنين هناك بقرب الكنيسة. بقي جالسًا وهو يحملق بالغطاء المعلق وراء المنبر. ولمَّا اقترب منه الراعي سأله الرجل: من أين أتيت بهذا الغطاء المزركش الجميل على الحائط؟ لأنَّ زوجتي كانت قد طرَّزت واحدًا مثله تمامًا ونحن في النمسا، ومن غير المعقول أن يكون هناك اثنان متشابهين جدًا بهذا الشكل! عندها قصَّ على الراعي قصة الغطاء وكيف أنه عند مجيء النازيين إلى بلاده أجبر زوجته على الهرب من هناك من أجل الحفاظ على سلامتها وكيف اقتيد هو بعد ذلك إلى السجن ولم يعد يراها منذ ذلك الحين. ولقد مضى على ذلك أكثر من خمس وثلاثين سنة.
وهنا ما كان من الراعي إلا أن اقترح على الرجل بأن يذهب معه في السيارة مشوارًا في المدينة ليلة الميلاد. ففعل. فتوجَّه به الراعي إلى جزيرة Staten إلى الشقة التي تسكن فيها تلك المرأة التي استفسرت أيضًا عن الغطاء منذ أيام قليلة. ساعد الراعي الرجل لكي يصعد إلى الطابق الثالث. وعندما قرع الباب فتحت له المرأة باب الدار وإذا بها أمام أعظم هدية يمكن أن تحلم بها في عيد الميلاد. وهكذا التقى الزوجان وتعانقا عناقًا طويلاً والدموع تملأ مآقيهما. فعلاً، لقد كان أحلى لقاء بعد خمس وثلاثين سنة من الفراق.
إنها قصة حقيقية فعلاً، قدَّمها القس Rob Reid الذي علَّق قائلاً: إن الله من دون شك يتعامل مع البشر بطرق عجيبة.
نعم أيها القراء الكرام، لا يسعنا إلا أن نقول مع بولس الرسول هذه الكلمات: "ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء!" (رومية 11)  إنَّ كل ما يحدث مع أولاد الرب يحدث من أجل خيرهم، ومن أجل تحقيق هدفٍ معيَّن حتى لو بدا بادئ ذي بدء على العكس من ذلك تمامًا كما حدث مع الراعي وزوجته، اللذين لم يفشلا قطُّ في عمل كل ما باستطاعتهما ليحققا الهدف الذي أتيا من أجله. وهكذا باركهما الله وعمَّت البركة الآخرين حيث ظهرت في جمع هذين الزوجين معًا بعد فراق دام طويلاً. فعلاً، إنَّ كلَّ ما يحصل في خطة الله نحو أولاده هو متناغمٌ تمامًا ومنسجمٌ مع مشيئته الصالحة ومحبته الأبدية التي لا تتغيَّر وحكمته التي لا تخطئُ البتة.

المجموعة: كانون الأول December 2013