"لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا
فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ". (أعمال 8:1) عندما خلق الله الإنسان الأوّل متّعه بقوّة علويّة يتسلّط بها على خليقته في الأرض، فقال الله للإنسان: "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ." (تكوين 28:1)
لقد امتاز الإنسان بهذه القوّة المتسلِّطة المُخضِعة لوحوش وطيور ودبّابات الأرض إلى أن سقط الإنسان وانحنى تحت ثقل خطيّته ففقد بالعصيان سيادته وبدلًا من أن يرجع تائبًا إلى إلهه ليستعيد قوّته أسرع هاربًا من مصدر حياته محاولًا أن يستعيض بالعِلم عن قوّة الله، ويكفي أن يلقي الإنسان نظرة عابرة على العالم الحاضر ليرى محاولات الإنسان في سبيل القوّة والسعادة، فالعصر الذي نحيا فيه هو عصر القوّة، وتلك المؤسسات الهندسيّة، والقنابل بأنواعها التدميريّة، والاكتشافات الطبّيّة، مُضافًا إلى هذه "القنبلة الذرّيّة" - كلّ هذه الأشياء ترينا كيف يسعى الإنسان جاهدًا إلى السيادة والقوّة.
لقد نجح الإنسان في السيطرة على عناصر الحياة واستخدام نواميسها لغاياته، لكنّه فشل في أن يسود في عالم الروح، فانهزم من خطاياه، وتغلّبت عليه شهواته وهدّت عاداته كيانه، ويمكن أن يُقال بحقّ أنه لم يقدر حتى أن يذلّل لسانه وهو من أصغر أعضاء جسمه. إذًا، فأين القوّة التي تعطي للإنسان النصرة الدائمة على ذاته، هذه القوّة التي وعد بها الرّبّ يسوع تلاميذه حين قال "لكنّكم ستنالون قوّة متى حلّ الروح القدس عليكم."
ما هي أوصاف هذه القوّة التي وعد بها المسيح تلاميذه: "فأقيموا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي." (لوقا 49:24)
أوصاف هذه القوّة
1- قوّة الحياة الغالبة: إن قوّة الروح القدس هي قوّة الحياة الطاهرة الغالبة، وقوّة القداسة التي يحتاج إليها البشر في هذه الأيام، وهي القوّة التي علّم بها الكتاب ونعلّم بها في كنائسنا، فالتلاميذ قبل أن ينالوا هذه القوّة كانوا ملآنين بالضعف. حدثت مرّة بينهم مشاجرة من هو الأعظم بين تلاميذ المسيح. مرة نرى اثنين منهما يطلبان أن تنزل نارًا من السماء لتحرق إحدى مدن السامرة، ومرة نرى ثلاثة منهم نيامًا وسيّدهم يصارع الألم وحده في بستان جثسيماني. كانت هذه حالتهم قبل نوال قوّة الروح القدس، لكنهم بعد أن نالوا هذه البركة العظمى، التي يسمّونها اختبار القداسة أو الملء بالروح القدس نرى أن حياتهم تبدّلت فانتزع الروح القدس كلّ حبّ للّذّات "فكان الجميع معًا بنفس واحدة" وانتُزِع منهم كلّ حبّ للرئاسة، فحسب كلّ واحد الآخر أفضل من نفسه "وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا". (أعمال 44:2) نعم، غلبوا ذواتهم بقوّة الروح القدس.
غلبوا الحياة وغلبوا إغراءات المال والجمال والملذّات وعاشوا في قوّة حياة القداسة بلا لوم أمام الآخرين ولذا فنحن نقرأ عنهم أنه كان "لهم نعمة لدى جميع الشعب"، وكان الشعب يعظّمهم.
ألا تشتاق إلى هذه القوّة الغالبة؟! "هذه هي إرادة الله قداستكم." "وَإِلهُ السَّلَامِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِالتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. أَمِينٌ هُوَ الَّذِي يَدْعُوكُمُ الَّذِي سَيَفْعَلُ أَيْضًا". (1تسالونيكي 23:5-24)
2- قوّة الحياة الشاهدة: هذه هي القوّة التي تكلّم عنها المسيح في علاقتها مع نوال البركة الثانية بركة معمودية الروح القدس، إذ قال للتلاميذ: "سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ". (أعمال 8:1) ونظرة واحدة إلى التلاميذ بعد نوال الوعد بالقوّة نراهم وهم يقومون بالشهادة لمخلّصهم. فبطرس الجبان الحائر يقف في يوم الخمسين ليشهد لهم بالمسيح قائلًا: "إن يسوع هذا الذي قتلتموه أنتم أقامه الله ربًّا ومسيحًا". بل نرى التلاميذ المبشّرين يجولون في أورشليم واليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض وكما قال أحد المرسلين إن مفتاح سفر الأعمال هو في هذه الآية "فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ." فالأصحاح الثاني من سفر الأعمال يرينا الشهادة في أورشليم بين الأهل والأقارب ونرى في الأصحاح الثامن جماهير التلاميذ تبشّر في كور اليهودية والسامرة. أي بين الجيران المحيطين بهم. وفي الأصحاح العاشر تبدأ البشارة للأمم فيذهبون إلى أقصى الأرض.
إن الكنيسة الممتلئة من الروح هي الكنيسة الشاهدة، الملتهبة التي لا تقدر أن تسكت عن أن تنادي بالمخلّص الحيّ، رغم قوانين الحكومة ورغم الاضطهادات والعذاب... فقوّة الروح هي التي دفعت الشهداء الأول أن يحتملوا النار، والوحوش والموت الأحمر ليشهدوا لمن مات لأجلهم وقام. فهل أحسست أيها الأخ بحاجتك إلى هذا الملء الذي يدفعك دفعًا للشهادة لفاديك؟
3- قوّة الحياة الهادئة: نقرأ عن التلاميذ أنهم "كانوا يمتلئون من الفرح والروح القدس" فالفرح والروح القدس صنوان عزيزان يدخلان معًا هيكل الإنسان. تأمّل يا قارئي الكريم في التلاميذ الأُوَل والفرح الذي غمرهم. يصوّر لنا كاتب سفر الأعمال صورتهم وهم يُجْلَدون أمام المجمع اليهودي المتعصّب ثم يعقب على الحادث بالقول: "وأما هم فذهبوا فرحين من أمام المجمع، لأنّهم حُسِبوا مُستأهلين أن يُهانوا من أجل اسمه." (أعمال 41:5)
وصورة بولس وسيلا في السجن الداخلي في فيلبي وهما يصلّيان ويسبّحان الله هي صورة الحياة الهادئة الممتلئة بالسلام لأنها ممتلئة بالروح، وصورة بطرس وهو نائم بين أربعة أرابع من العسكر ينتظر حكم الإعدام في هدوء عجيب هي دليل الحياة الهادئة نتيجة الملء بالروح القدس. فيا أخي ويا أختي، ويا من تنزعج من أقلّ أحداث الحياة، ويثقل قلبك الألم، ويحزنك فراق الأحباء، ويقضّ مضجعك المستقبل المجهول تعال إلى الله واطلب منه أن يتنازل بنعمته فيعطيك هذه القوّة العجيبة قوّة الملء التي تعطيك هدوء الحياة وسكونها.
إن عالمنا عالم مضطرب، يثير الأعصاب وليس هناك قوّة مهدّئة أكثر من قوّة الروح القدس.
ثمن هذه القوّة
ما هو الثمن المطلوب لنوال هذه القوّة العجيبة التي نحتاج إليها جميعًا في عصر الألم والشرّ والاضطهاد؟
1- التكريس الكامل لله: عندما تحدّث الرسول إلى أهل رومية قال لهم: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ". (رومية 1:12) إن الله لا يمكنه أن يملأ إناءً غير مكرّس لمجده الأعلى، فتعال إلى الله بتكريس جديد، قدِّم ذاتك أمامه فوق المذبح وقل له: يا إلهي، أكرّس كلّ ما لي لك، لتملأني بروحك وتقدّسني بقوّة قداستك... استلم حياتي وقلبي وعقلي، ووجهي، وصوتي، وجمالي، وقلمي، ومواهبي، وتأثيري وكلّ ما عندي.
2- الطاعة الكاملة لله: لمّا وقف بطرس ليشهد أمام المجمع قال ونحن شهود "والروح القدس أيضًا الذي أعطاه الله للذين يطيعونه." (أعمال 32:5) فكأنّ الروح القدس هو عطيّة الآب للذين يطيعونه" فالحياة التي بها ذرّة من العصيان لا يمكن أن يختم عليها الله بختم البركة. لقد وعد الرب يسوع تلاميذه بالقول: "إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا." (يوحنا 13:14) فالطاعة لله هي أساس سكناه فينا، فهل تطيع الله في حياتك الشخصيّة والعائليّة والاجتماعيّة والعمليّة؟ هل تدرس الكتاب لتعرف فيه مشيئته وتتمّمها؟! إن ثمن العطية العظمى هي طاعة الله القادر القدّوس.
3- الطلب بالإيمان: قال الربّ يسوع لتلاميذه: "فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ؟" (متى 11:7) "اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ." (ع7) فهل نتقدّم بالسؤال وهو أوّل درجة في الطلب، ثم القرع بشدّة ومعناه تذكير الله بما سألناه منه، ثم القرع بشدّة ومعناه الإلحاح في طلب البركة، إذ نقول مع يعقوب: "لا أُطلقك إن لم تباركني". (التكوين 26:32)
هل كرسنا ذواتنا، وأطعنا إلهنا، وسألناه ليعطينا ملء الروح، بركة القداسة الكاملة في حياتنا؟ هذه هي البركة العظمى، هي حاجة كلّ مؤمن في هذا العصر.
صلّ معي: يا سيدي وفاديّ إليك آتي اليوم، واضعًا نفسي من جديد على مذبح خدمتك، فأُرسَل إلى موعد القوّة لأحيا حياة غالبة شاهدة فرحانة لمجد اسمك.


