دعونا نتأمّل من كلمة الربّ الحيَّة الباقية إلى الأبد ومن المزمور 103
هذه الآيات التي حفِظَها البعضُ منّا عن ظَهْرِ قلب لسنينَ طويلة، فهي تشير بشكلٍ واضح إلى سرِّ البركاتِ الإلهيّة - هذه البركات السَّماويّة التي باركنا بها الله في المسيح يسوع، إذ يقول: "باركنا بكلِّ بركة روحيَّة في السَّماويّات في المسيح." (أفسس 3:1)
في هذا المزمور وصفةٌ روحيَّةٌ طبِّيَّةٌ لكلِّ واحدٍ منّا. ويخبرنا عن كيفيّة الحصول على هذه البركات وسرِّها وهي مَدعاةٌ للشُّكر في كلِّ يومٍ إذا كنتَ في المسيح. لأنَّ حياةَ الشكر في كلِّ يومٍ هي مختلفةٌ عن شكرِ اللسان فقط. فهناك شكرُ اللسان وهناك شكرُ الإيمان. شكر اللسان هو في أوقات "عيد الشكر" مثلًا، إذ يشكر الناسُ بعضُهم بعضًا. ولكنَّ الله يريدُنا أن نشكرَه شكرَ الإيمان وهذا الشكر يعطينا مفتاحًا للبركات الروحيَّة التي يريد الله أن يمنحَنا إيَّاها.
ورد في مزمور 103: "باركي يا نفسي الرّبَّ، وكلُّ ما في باطني لِيباركِ اسمَه القدّوس. باركي يا نفسي الرّبَّ، ولا تَنْسَيْ كلَّ حسناتِه. الذي يغفرُ جميعَ ذنوبِك. الذي يشفي كلَّ أمراضِك. الذي يفدي من الحُفرة حياتَكِ. الذي يكلِّلُكِ بالرَّحمةِ والرأفة. الذي يُشبعُ بالخير عمرَكِ، فيتجدَّد مثلَ النسر شبابُكِ... لم يصنعْ معنا حسبَ خطايانا، ولم يجازِنا حسَب آثامِنا. لأنَّه مثلُ ارتفاعِ السماوات فوقَ الأرض قوِيَت رحمتُهُ على خائفيه. كَبُعْدِ المشرقِ من المغرِب أبعدَ عنَّا معاصينا. كما يترأَّفُ الأبُ على البنين يترأَّفُ الربُّ على خائفيه. لأنَّهُ يعرفُ جبْلتَنا. يذكرُ أنَّنا ترابٌ نحن... بارِكوا الرّبَّ يا جميعَ جنودِه، خدَّامَهُ العاملين مرضاتَهُ. باركوا الرّبَّ يا جميعَ أعمالِه، في كلِّ مواضعِ سلطانهِ. باركي يا نفسي الرَّبَّ." (الأعداد 1-5، 10-14، 21-22)
هناك سبعُ بركاتٍ يريد الله أن يمنحَك إيَّاها والتي نقدر بالرّوح أن نشكرَه عليها وهي:
1- يحميكَ من مرَضِ النَّسَيان
"باركي يا نفسي الرّبَّ ولا تنسَي كلَّ حسناته." يُقال بأنَّ الإنسانَ سُمِّيَ بالإنسان لأنَّه ينسى. لكن، نجدُ أنَّ الإنسان لديه مرضُ نسيان انتقائيّ أي Selective Amnesia، أي أنَّه ينسى الأشياءَ الحلوة التي يعطيهِ إيَّاها الربّ. أمّا الأشياء الصعبة التي حصلَتْ في حياته فلا ينساها. لهذا فالإنسانُ البعيدُ عن الرّبّ تَرى حياتَه مقلوبةً رأسًا على عَقِب. لأنَّه يتذكَّر دائمًا المصائبَ وينسى البركات التي حصل عليها والتي لم يعملْ شيئًا أصلًا للحصولِ عليها بل هي نعمةٌ من عندِ الرّبّ. لاحِظ الصحَّةَ مثلًا: لن تعرفَ قيمتَها إلَّا حينَ تخسرُها. خُذ قدرتَك على التنّفس أيضًا: تتنفّس بشكلٍ طبيعيّ إلَّا إذا كانتْ لديك مشكلةٌ في الرئتين. هل تعلم كم مرّةً تتنفَّس في الساعة؟ يتراوحُ العدد بين 720 و960 مرّة وكلُّ هذا يحدث بشكلٍ تلقائيّ حتّى أثناء النوم. ثمَّ قدرتُكَ على المشي من هنا إلى هناك دونَ ألَم. هذه لن تشعرَ بأنّها بركَة إلَّا حينَ تكونُ لديكَ مشكلة في ذلك. ماذا عن مرض النَّسيان Alzheimer الذي يخيفُ الكثيرين منّا! لكنْ، نحنُ لدينا هذا المرض من الناحية الروحيّة. وهذا ما يصيبُ الإنسان إذا كان بعيدًا عن الربّ. فالرّبُّ لا يعتبُ عليك بل يريدُك أن تشكرَه على الأشياءِ الرّوحيّة أيضًا التي منحَك إيَّاها. لأنَّك من خلالها ترى كم أنَّ الربَّ يحبُّك. ومن هنا ترى أنّ الله هو بعكس الإنسان تمامًا لأنَّه لا يتذكَّرُ إلّا الأشياءَ الحلوة التي فيك. يقول في سفر العبرانيين: "لأنَّ اللهَ ليس بظالمٍ حتّى ينسى عملَكُم وتعبَ المحبّة الّتي أظهرتُموها نحوَ اسمِه، إذ قد خدمتُمُ القدّيسينَ وتخدمونَهم." (10:6) هل تعلم أنَّ كلَّ عملٍ صالح تقومُ به مع الناس من حولِك، وخاصةً أولاد الله، لن ينساهُ الرّبُّ أبدًا. لأنَّه لا ينسى تعبَ المحبّة. لكنَّه بالعكس، ينسى شيئًا واحدًا!
بينما كانت المعلّمة في الصفّ تؤكّد أنّ الله كُلِّيّ المعرفة يعرفُ كلَّ شيء ولا ينسى شيئًا، سألت طفلةٌ عمرُها 8 سنوات وقالت: كيف لا ينسى الله شيئًا؟ لقد تعلّمتُ في مدرسة الأحد أنَّه ينسى خطايانا بالكامل؟!
حقًّا، يا أخي إنَّه ينسى خطاياك. إذ يقول: "أنا، أنا هو الماحي ذنوبَك لأجلِ نفسي، وخطاياك لا أذكرُها." (إشعياء 25:43) أجل، لقد رمى خطاياك في أعماق البحار ووضعها تحت نعمة المسيح، إذا أتيت إليه وطلبته سيّدًا، ومخلِّصًا لك. خطاياك التي يعيِّرُك فيها عدوُّ الخير نَسِيَها الله ولن يعودَ يذكرُها فيما بعد. "ولن أذكر خطاياهُم وتعدّياتهم فيما بعد." (عبرانيين 17:10) فلا تسمحْ له بأن يعيِّرَكَ بخطايا الماضي بل ضعْها من جديد تحت دم يسوع المسيح. ولكي تحصل على البركة دعْ هذا الموقف أن يكون لديكَ أنتَ أيضًا. ماذا يقول بولس: "أيّها الإخوة، أنا لستُ أحسبُ نفسي أنِّي قد أدركْتُ. ولكنِّي أفعلُ شيئًا واحدًا: إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتدُّ إلى ما هو قدّام." (فيلبي 13:3) صحيح أنَّ هذه الخطوة تبدأ بالولادة الثانية من روح المسيح، من خلال التوبة الحقيقيّة أمام الله لكنَّها تستمرُّ في كلِّ يوم إذ نواجه تجاربَ وخطايا. لذا علينا أن نضعَها عند الصليب. هو ينسى فعلًا خطاياك لكنَّه لا ينسى اسمَك بغضِّ النظر عن خلفيّتك إذ كنتَ في فكرِه وهو على الصليب. فالله يذكُرك إذ يقول: "لا تخفْ لأنِّي فديتك. دعوتُك باسمِك. أنت لي." (إشعياء 1:43) أجل، إنَّه يحفظ اسمَك!
حين كانَ أولادي صغارًا "تيد وسامي" كانت أعمارُهما متقاربة. فكنتُ أنسى أحيانًا إذ أنادي تيد سامي، وسامي تيد. فيأتي ابني الأكبر تيد ليقول لي: ماذا حدث بابا؟ أنسيتَ اسمي؟ حتى ناديتني باسم ابنك الأصغر المفضّل! وكنتُ أجيبُه على الفور: نعم، أنا نسيتُ اسمَك لكنَّ أباك السماوي لن ينسى اسمك أبدًا. بالحقّ الإنسانُ ينسى لكنَّ الله لا ينسى. ونحن نعيش هنا في هذه البلاد ننسى بسهولة جدًّا بركاتِ الرّبّ علينا. هل تعلم أنَّ عيد الشكر تعيَّنَ من قِبَلِ الرئيس إبراهام لنكولن عيدًا رسميًّا خلال واحدة من أكثر الفترات صعوبةً في التاريخ الأمريكي في خضمِّ الحرب الأهليّة؟ نعم، عندها كانت أميركا عظيمة وأنا أؤمن أنَّها كانت كذلك بسبب النَّهضات الروحية التي أُسِّست على نعمة الإنجيل إذ كان الناسُ فيها يسمعون البشارة ويتجاوبون معها وتتغيَّر حياتُهم. أمّا اليوم "فالزمن الأوّل تحوّل" كما يقولون. جيِّد أن يتذكَّر الناس الماضي كيف كانت بالحقّ أميركا عظيمة - كما يطالبون الآن أن تكونَ كذلك – ويتذكّروا أيضًا بأنَّ تلك النَّهضات هي أساسٌ لتغيير البشر. ولهذا حافظت أميركا وقتَذاك على حقوق الناس ونشرت تعليم إنجيل السلام والمحبّة والنعمة حول العالم. وفي العام 1863 وفي اليوم الثالث من تشرين الأول اعتُبر هذا يومًا وطنيًّا لتقديم الشكر لله. يومها قال لنكولن:
"لقد تناسينا الله الذي أعطانا بركاتٍ لا تُحصى ولا تُعَدّ. ونسينا تلك اليدَ الحنونة التي أنعمتْ علينا بالغنى والقوّة والمجد والسلام. وظننَّا خادعين أنفسنا، أنّنا نحن مصدرُ هذه البركات والثروات. لذلك فلْنتواضعِ اليوم ونَتُبْ أمام الربّ طالبين الغفران."
ألا يحصلُ الآن ما وصفَه بالضبط؟ ونحن جزءٌ من ذلك؟ حتى ظننَّا أنَّنا بألف خير لأنَّ فينا شيئًا مميّزًا، فنَسَبْنا النِّعم والبركات إلى أنفسنا؟! فكيف يجب أن يكون لسانُ حالنا؟ أليس أن نذكرَ البركاتِ السماويّة المبنيّة على أساس محبّة الله ونعمته وقلبِه الكبير الذي لن ينسانا!
2- يمنحُكَ نعمةَ الغفران
"الذي يغفر جميعَ ذنوبك." تُرى هل من خطيّةٍ لا يستطيع الرّبّ أن يغفرَها لك؟ هل هناك أيُّ شيء في ماضيك لا يقدرُ دمُ يسوع المسيح أن يغطّيه؟ لم يكن لدى الفريسيّين أيُّ شيء من النعمة. حتى قالوا عن المسيح: "محبٌّ للعشارين والخطاة". ألسنا نحن جميعًا خطاة؟ "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله." (رومية 23:3)
"ولكنّ الله بيَّن محبَّته لنا، ونحن بعد خطاة، مات المسيح لأجلنا." (رومية 8:5) ويسوع المسيح "الّذي أحبّنا، وقد غسّلنا من خطايانا بدمه، وجعلنا ملوكًا، وكهنةً لله أبيه. (رؤيا 5:1-6)
فتعال إليه وقل له:
"يا ربّ، اغفِرْ لي خطاياي. طهِّرني. حرِّرني وبرِّرني وأعطِني قلبًا نقيًّا. تربّع على عرش قلبي كسيِّدي ومخلِّصي، وأنا أقبل موتك على الصليب من أجلي. أعطني هبة الحياة الأبديّة، واجعلْني أن أولد ولادة ثانية من روحك لكي أصير من أولادك إلى الأبد.(يتبع)


