في هذه المقالة سنتناول نتائج عدم الطاعة لأقوال الله الصادقة والأمينة،
وأشجّعك أيّها القارئ أن تدرس هذا الموضوع بنفسك لأنّني مُتيقِّن بأنّه سيكون هناك بركة روحيّة لحياتك وحياة عائلتك، وسوف تستنتج بأنّ دراسة موضوع خسائر عدم الطاعة في الكتاب المقدّس توصّلك إلى حقيقة لا تقبل النقاش وهي: [إنّ التمرّد والعصيان ضدّ الله مدمِّرٌ جدًّا].
عزيزي القارئ، هل تظنّ أنني أبالغ في هذه المقولة؟ تأمّل معي أوّلًا في أعظم خسارة حصلت في تاريخ البشريّة عندما عصى آدم وصيّة الله الوحيدة التي لم تكن ثقيلة فطُرِدَ من الجنّة، ولُعِنت الأرض، ونَبَتَ الشوك والحسك، وانفصل آدم عن الله، وعانى من الخوف والألم والتعب والمرض. ونعلم من الكتاب أنّ الخليقة كلّها تئنّ وتتمخّض بسبب ما حصل وبهذا دخلت الخطيّة والموت الجسدي. "من أجل ذلك كأنّما بإنسانٍ واحدٍ دخلت الخطيّة إلى العالم، وبالخطيّة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع." (رومية ١٢:٥) دخل الموت الروحي، أي أننا أموات بالذنوب والخطايا (أفسس ١:٢-٣).
والآن تعال معي لكي نقلّب صفحات الكتاب ونرى أنواع الخسائر بسبب عدم الطاعة:
خسارة الحياة الأبدية: لقد حذّر الرب يسوع عن خسارة النفس بقوله: "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟" (مرقس ٣٦:٨) أي، ماذا ينتفع الخاطئ لو امتلك العالم وأهلك نفسه في الجحيم بسبب عدم إيمانه ببشارة النعمة والخلاص المعروضة أمامه مجانًا. على كلّ إنسان أن يُفكّر ويُنصفُ نفسه ويسألها: [هل يمكن أن تقارَن الحياة الأرضية التي لا تتجاوز ١٢٠ سنة مع أبديةٍ لا نهاية لها؟] أبدية مع الله في السماء أو أبدية مع الشيطان في جهنم؟ القرار متروك لكلّ إنسان عاقل.
خسائر أخلاقية للذين ينغمسون في الفساد الأخلاقي إذ يقول الكتاب: "عار الشعوب الخطيّة." (أمثال ٣٤:١٤)
خسائر اجتماعية: وخاصة فقدان كرامة الإنسان مثل الابن الضال الذي كان يشتهي أن يأكل من خرنوب الخنازير وهو متغرّب عن بيت أبيه الذي فيه كلّ الخيرات والبركات (لوقا ١٥). ويجلب العصيان أيضًا العار وخزي الوجه بترك وصايا الرب "يا سيّد، لنا خزي الوجوه... لأنّنا أخطأنا إليك" (دانيال ٨:٩). وقال إرميا: "نضطجع في خزينا ويغطّينا خجلنا، لأنّنا إلى الربّ إلهنا أخطأنا، نحن وآباؤنا منذ صبانا إلى هذا اليوم، ولم نسمع لصوت الربّ إلهنا." (ارميا 25:3).
خسارة الفهم الروحي والامتلاء بالجهل المدقع: عندما تمرّد الشعب على وصايا الله، انحطّوا بإثمهم ولم يؤمنوا بكلمته، فعبدوا الأصنام، فوبّخهم إشعياء: "الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه، أما إسرائيل فلا يعرف. شعبي لا يفهم." (إشعياء ٣:١)
خسائر الصحة النفسيّة: "تعبتُ في تنهّدي. أُعوّم في كُلِّ ليلة سريري بدموعي. أذوِّب فراشي." (مزمور ٦:٦). هذه حالة داود بعد كسرهِ وصيّة الرب "لا تزنِ"؛ حالة مأساوية. ولكن شكرًا للربّ لأجل باب الرحمة والتوبة المفتوح المذكور في مزمور ٥١.
خسائر الصحة الروحيّة: إن عصيان وصايا الربّ يؤدّي إلى الذلّ والعبوديّة. "الجلوس في الظلمة وظلال الموت، موثقين بالذلّ والحديد. لأنّهم عصَوْا كلام الله، وأهانوا مشورة العليّ." (مزمور ١٠:١٠٧-١١)
خسائر الصحة الجسدية: كتلك التي تصيب مدمني الكحوليّات. تقول الوصيّة: "لا تكن بين شرّيبي الخمر، بين المتلفين أجسادهم." (أمثال ٢٠:٢٣) ها هو الكتاب المقدّس قبل ٣٠٠٠ سنة يُحذّر من أمراض الكبد نتيجة إدمان الخمور. ويحذّر الكتاب من خطيّة الشذوذ الجنسي (لاويين ١٨)، وكمّل الكتاب في هذا السياق "... نائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المُحِقّ." (رومية ٢٧:١) ويرى بعض الشرّاح أن هذا إشارة إلى مرض الإيدز.
الخسائر الاقتصادية: كتلك التي أصابت الشعب القديم عندما تمّ تدمير الهيكل، وخراب مدينة أورشليم، ولضيق الوقت اسمح لي عزيزي القارئ بأن تقارن بين بناء الهيكل في (1ملوك ٦ و٧) وبين ما جاء في (2أخبار ١٨:٣٦-٢٠).
خسائر على مستوى العائلة: لننظر إلى خسائر المؤمن الذي يعيش للعالم (تكوين ١٩). إذ نرى الخسائر التي جلبها لوط على نفسه، لأنه اختار بحسب نظرته البشرية وليس بحسب اختيار الله. لقد خسر لوط الشركة مع بطل الإيمان إبراهيم وارتضى أن يساكن الأشرار. خسر لوط شهادته لله، فعندما أراد أن ينذر أصهاره كان وكأنه يسرد مزحة، إنها خسارة هويّة الإيمان. خسر لوط الإحساس الروحي، إذ قال للأشرار: "يا إخوتي." (تكوين 7:19). خسر لوط راحة الإيمان، لأنه كان يُعذّب نفسه البارّة بالأفعال الأثيمة. وخسر لوط ابنتيه المتزوّجتين من شريرين. خسر لوط كلّ أملاكه، فقد كان يفتكر في الأرضيّات وفقد البصيرة الروحيّة للأمور السماويّة، وكآبته جعلته يحتسي الخمر. أما امرأة لوط فلم تطِع وصية الملاك فصارت عمود ملح "ونظرت امرأته من ورائه فصارت عمود ملح." (تكوين ٢٦:١٩) وأصبحت مثالًا تحذيريًّا لعدم الطاعة. يقول الرب يسوع: "اذكروا امرأة لوط!" (لوقا ٣٢:١٧) أي احذر لئلّا يكون قلبك متعلِّقًا في عالم شرير محكوم عليه بالدينونة، وقلبك غير مُتشوّق للخلاص الأبدي.
خسائر على مستوى الكنيسة: نرى في العهد الجديد مؤمنين في كنيسة مُعيّنة خسروا المكافأة الأبدية، لم يخسروا الحياة الأبدية بل الأكاليل لأنّ حياتهم الروحية كان فيها عشب وقش (١كورنثوس ٣). وآخرون بقوا في طفولة روحية ولم يعرفوا معنى النضج الروحي لأجل تمسّكهم بطقوس وفرائض أرضيّة (عبرانيين ١٣:٥-١٤). والربّ يحذّر ملاك كنيسة أفسس بأنه ترك محبّته الأولى وعليه أن يذكر من أين سقط ويتوب وأن يعمل الأعمال الأولى، وإلا فإنه يزحزح منارته من مكانها إن لم يتب (رؤيا ٥:٢).
وأخيرًا كلمة لإخوتي المؤمنين: إن عدم الطاعة للربّ يُكلّفنا فقدان الشركة الحلوة معه ويحزن الروح القدس الساكن فينا ويطفئه.
وإذا أردنا أن نتكلّم بالرموز فالمؤمن غير الطائع يعيش في سفر الجامعة حيث الذبول والجفاف الروحي والدوران في دائرة مفرغة، أما المؤمن الطائع فإنه يعيش في سفر نشيد الأنشاد حيث الانتعاش الروحي، والإثمار ويستطيع كلّ واحد أن يقول "أنا لحبيبي وإلَيَّ اشتياقه." (نشيد 10:7)
أيّها الأصدقاء، ما أريد أن أقوله هو أننا جميعًا معرّضون للإصابة بخسائر عدم الطاعة، وما علينا سوى أن نطيع وصايا الرب من كل القلب لكي نتجنّب كوارث عدم الطاعة. ربما تقع هذه المقالة بين يدي شخص يعيش حياة البُعد عن الله، وقد أدرك معنى خسائر عدم الطاعة، ليس لأنه قرأ هذه المقالة بل من واقع الحال الذي يعيشه.
أريد أن أقول لكلّ متعب ويائس، يوجد رجاء، والرب هو إله التعويضات! فقط ادعُ الرب يسوع المُخلّص الوحيد لكي يكون ربًّا وملكًا على حياتك، إنه يدعوك لكي يهبك حياة أبدية فخطّته رائعة لحياتك. يسوع يحبّك وقد مات لأجلك وقام لكي يُقيمك من خراب الخطيّة ويعطيك مقامًا سماويًّا ويهبك روحه القدّوس لكي تقدر أن تعيش حياة الطاعة لله.
لنتحذّر جميعنا فإن أعظم خسارة، هي التفريط بالحياة الأبديّة التي يهبها الرب يسوع مجانًا، إذ بعد الموت لا يبقى سوى الهلاك والخزي الأبدي في جهنم النار.
لا بدّ لي أن احذّر وأنبِّه الجميع بأنّنا نحن في الأيام الأخيرة ومن صفاتها "عدم الطاعة" والاستهزاء بالأمور الأبدية. فلنتعقّل جميعنا، وخاصة عندما سأل بطرس هذا السؤال:
"فَمَا هِيَ نِهَايَةُ الَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ اللهِ؟" وأجاب بولس (مُسبَقًا): "في نارٍ لهيبٍ، مُعطيًا نقمةً للذين لا يعرفون الله، والذين لا يطيعون إنجيل ربّنا يسوع المسيح، الذين سيعاقَبون بهلاكٍ أبديٍّ من وجه الرب ومن مجد قوَّتِه." (٢تسالونيكي ٨:١-٩)


