نقرأ في سفر الأمثال 21:18 "اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسان" أي أن للّسان قدرة على جلب الموت
والدمار وكذلك القدرة على الحياة والبناء.
أولًا: لسان الموت والدمار
قال الرَّب يسوع: "إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاس سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ." (متى 36:12) وقول الرَّب يعني أن كل إنسان مسؤول عن كل كلمة تخرج من فمه، وأن الكلام الباطل سيجلب على صاحبه دينونة الله العادلة، فكلّ واحد منا سيقدم حسابًا لله على ما نقوله من كلام. لذلك انتبه واحرص ألّا تنطق بكلام الموت والدمار، وهذا النوع من الكلام يشمل:
1. الكلام التافه والسَّفيه والرخيص يخرج من أفواهنا كلّ يوم وجزء من كلامنا يكون لطيفًا ومدروسًا، والباقي يكون قاسيًا وجارحًا دون التفكير بتأثيره على الآخرين.
يطلق النَّاس كلامًا جارحًا، أو كلمات لاذعة، أو ملاحظات لا ضرورة لها تؤدّي إلى نتائج وخيمة في حياتهم وحياة غيرهم. كم من شاب أصيب بالإحباط بسبب كلمات سلبيّة: أنت فاشل. أنت لا تصلح لشيء، أنت متهوّر وغيرها من كلمات القسوة. وكم من صبيّة تعقّدت حياتها من سماع كلمات لاذعة مثل أنت لست جميلة، أنت غبيّة، أنت سمينة، وغيرها من الكلمات.
قال أيوب لأصدقائه: "حَتَّى مَتَى تُعَذِّبُونَ نَفْسِي وَتَسْحَقُونَنِي بِالْكَلاَمِ". (2:19)
جاء أصدقاء أيوب لتعزيته بعد دمار ممتلكاته وموت أولاده، ولكنهم بدل التعزية، وجدو في آلامه فرصة للشماتة والتطاول عليه ولومه، وكأن مصيبته لم تكن كافية.
يحذّرنا الله في رسالة أفسس 29:4 "لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ". فهل كلامك للبناء أم للهدم؟ هل تخرج كلمات ردية من فمك؟
ما أكثر النَّاس الذين دُمِّرت حياتهم لأن سيرتهم تشوّهت بسبب الإشاعات الباطلة أو الكلام الكاذب عنهم، مثلاً: فلان حرامي، فلان محبّ للمال، فلان كذّاب، فلانة ساقطة، فلان نصّاب. نشوه سمعة النَّاس غير مدركين بأننا نطعنهم بألسنتنا في مقتل.
ما أكثر الآلام التي نتجت عن اتهامات باطلة، ما أكثر الأشخاص المرضى نفسيًا والمصابين بالاكتئاب والشعور بالحقارة والذلّ بسبب كلمات نابية قيلت ضدهم.
2- كلام النميمة ونشر الإشاعات
النميمة هي إشاعة أو حديث أو تقرير يتعلّق بأمور خاصّة وحميمة جدًّا، وتكون عادة بين شخصين أو أكثر بغياب الشخص الذي يدور الحديث عنه. وبالتالي، فالنّمّام أو ناشر الإشاعات هو شخص معتاد على كشف أمور شخصيّة أو مثيرة عن الآخرين وبغيابهم، فهو شخص يتحدّث معك عن الآخرين، ثم يتحدّث مع الآخرين عنك.
النميمة في طبيعتها هي أن نقول شيئًا أو أشياء، حتى ولو كانت صحيحة، بقصد الإساءة للآخرين. الإنسان النمّام هو شخص يفتقر للحياة الصحيّة والمفرحة والمشبعة، ويجد لذّته وشبعه في تحطيم الآخرين.
والسؤال الذي علينا طرحه على أنفسنا: كيف أعرف إن كنت نمّامًا أو أستغيب الآخرين؟
اسأل نفسك الأسئلة العمليّة التّالية قبل أن تنطق بأيّ حديث عن الآخرين:
هل كلامي صحيح؟ تذكّر أنّه كلّما ازدادت إثارة الكلام، كلّما قلّت مصداقيّته.
هل كلامي ضروري؟ هل كلامي مفيد وبنّاء ولطيف؟ هل عندي الحقّ أو الإذن في أن أتحدّث عن الآخرين؟ هل دوافعي صادقة. حتى ولو كانت إجابات الواحد منا هي "نعم" لكلّ واحد من هذه الأسئلة، فمن الأفضل أن نصمت وألّا نتحدّث عن الآخرين بأيِّ سوء في غيابهم.
لا يوجد أيّ إنسان في العالم يستطيع أن يقول وبملء الفم بأنّه لم يستغيِب أيّ إنسان في حياته، فكلّنا ارتكبنا خطيَّة النميمة، والله يدعونا إلى التوبة عن هذه الخطيَّة البشعة، واسمحوا لي أن أقترح ثلاث خطوات عمليّة للخلاص من هذه العادة الرّدية:
1. لا تنطق ولو بكلمة واحدة بحقّ أيّ إنسان في غيابه إن كنت لا تستطيع أن تنطق بالكلمة نفسها في حضوره.
2. لا تقلْ أيّ شيء عن شخص معيّن دون حضور هذا الشخص للردّ عليك.
3. ارفض الاستماع للشخص النّمّام أو الذي يتحدّث أمامك عن الآخرين، وادعُ هذا الشخص إلى تغيير موضوع الحديث والكفّ عن النميمة. إذا جاء شخص وقال لك: أريد أن أخبرك شيئًا عن "فلان" أو "فلانة"، فقل له: "عفوًا، هل يمكنني أن أقتبس كلامك وأنقله إلى الشخص المعني بالحديث؟" تأكّد بأنّ ناقل الحديث سيتوقَّف رأسًا لأنّه يعلم بأن ما سيقوله سلبيّ، وبأن دوافعه غير مقدّسة.
النميمة قاتلة، فكم من صداقة انتهت، وكنيسة انقسمت، وأفراد تركوا بلادهم وهاجروا، وأشخاص ارتكبوا جرائم وخطايا بسبب النميمة والكلام غير الضروري. لذلك دعونا نتوقّف عن الكلام عن الآخرين.لا تترك الفرصة لأحد أن يتكلّم أمامك ضد الآخرين، حتى لو استمعت لكلام ضد شخص ما، فلا تنقله لغيرك وبذلك تعمل على توقيف دائرة وحلقة النميمة. ثم تحلَّ بالشجاعة وواجه الأشخاص النمّامين بمحبَّة المسيح ناصحًا إيّاهم بالتوقّف عن هذا الأسلوب في الحياة.
نعرف أنّ العقول العظيمة تتحدث عن المبادئ والعقائد والفلسفة والقيم. والعقول العادية والمتوسطة تتحدث عن الأخبار اليومية والأحداث الجارية. والعقول الصغيرة تتحدّث عن الملابس والسّهرات والطّعام، والأهمّ عندهم هو الحديث عن النَّاس.
3- الأكاذيب وشهادة الزور: عندما يتحدث النَّاس بكلام غير صحيح، أي كلام كذب، فإن أقوالهم مخجلة ومكروهة من الله. نقرأ في سفر الأمثال 22:12 "كَرَاهَةُ الرَّب شَفَتَا كَذِبٍ، أَمَّا الْعَامِلُونَ بِالصِّدْقِ فَرِضَاهُ". في الأصل العبري، كلمة كراهة هنا تعني حرفيًا "شيء مُقرِف ومقزّز". الكذب أمرٌ مقرف، وما أكثر النَّاس الذين دمرت حياتهم بسبب الكذب. حتى عندما تنطق بأكاذيب قد تصفها بأنها أكاذيب بيضاء، أو لا تضر بأحد، فهي في النهاية أكاذيب، وأمور باطلة أمام الله، بل إنها مكروهة ومقرفة ولا تليق بأيّ إنسان، فكم بالحريّ بالإنسان المؤمن.
4. الحلفان والشتائم والتجديف
هل ما زلت تلعن بلسانك، وتحلف أو تقسم، وتجدّف على الله وعلى النَّاس؟ أما زال لسانك يحمل الموت؟ إن كان هذا وضعك فأنت تواجه خطيَّة قاتلة في حياتك، وعليك أن تنتبه لما تقول، وعليك أن تنتبه مع من تتحدث وكيف تتحدث وأين تتحدّث، وبماذا تتحدّث.
علّمنا الرَّب يسوع أن نبارك حتى من يلعننا. فالمؤمن المسيحي يبارك ولا يلعن.
كذلك فإنّ الإنسان المسيحي يقول الصدق، ولا يحتاج أن يحلف بأي قسم.
ثانيًا: لسان الحياة والبناء
يمتاز لسان الحياة بصفات كثيرة، ومنها:
1. اللِّسان الذي يصمت عند الضرورة.
2. اللِّسان الذي لا يشي بقريبه. اللِّسان الذي لا يتحدث بالنميمة.
3. اللِّسان الذي يعتاد على الصلاة والترنيم وتسبيح الله.
4. اللِّسان الذي يبشر ويشهد عن عمل الرَّب يسوع في حياته.
5. اللِّسان الذي يقول الصدق بمحبَّة.
6. اللِّسان الذي لا يشتكي ولا يتذمر.
7. اللِّسان الذي يقدم رسائل إيجابية للآخرين، لسان اللطف والتشجيع والمدح والعطف.
8. اللِّسان الذي يمجِّد الله دائمًا.
خطوات عملية لضبط اللِّسان وحفظه
1. اقرأ سفر الأمثال ورسالة يعقوب واستمع لما يقوله الله لك "يُوجَدُ مَنْ يَهْذُرُ مِثْلَ طَعْنِ السَّيْفِ، أَمَّا لِسَانُ الْحُكَمَاءِ فَشِفَاءٌ". (18:12)
2. صلِّ وفكر أوّلًا: عليَّ أن أعترف بأنني كإنسان ضعيف وعاجز، وما أسهل أن أسقط بالتجربة وبالتالي أتلفظ بما لا يليق بحق الآخرين. لذلك فكل واحد منا بحاجة إلى نعمة خاصة وقوة من السماء لتساعدنا على ترويض ألسنتنا وضبتها.
علينا ألّا نيأس قائلين بأننا لا نستطيع أن نروّض ألسنتنا ونضبطها، ويستطيع الله أن يعطينا النصرة على ألسنتنا، والروح القدس قادر أن يجدد أذهاننا وبالتالي لا ننطق إلا بما هو نافع ويليق ويمجد الله.
اعترف لله بضعفك واطلب معونته. ثم إملاء عقلك بحفظ آيات من الكتاب المقدس بحيث تستطيع أن تبتعد عن الخطيَّة وأن تتلفظ بكلمات النعمة. صلِّ كما صلى داود في مزمور 14:19 "لِتَكُنْ أَقْوَالُ فَمِي وَفِكْرُ قَلْبِي مَرْضِيَّةً أَمَامَكَ يَا رَبُّ، صَخْرَتِي وَوَلِيِّي".


