الكرم صفة محبوبة لكلّ الناس، ولا سيّما الكرم الإلهي. الله كريم! الكرم هو صفة حقيقيّة للربّ.
يتحدّث الوحي عنها في عشرات الآيات الكتابيّة، ولا يجب أن يفوتنا أن الكرم الإلهي هو من نتاج حبّه العجيب... تلك المحبّة التي لا أجد لها سببًا واحدًا. فمحبّة الله للإنسان هي محبّة فاضلة لأنّه لا يوجد في الإنسان شيئًا يجعل الله يحبّه.
"كُلُّ الرَّأْسِ مَرِيضٌ، وَكُلُّ الْقَلْبِ سَقِيمٌ. مِنْ أَسْفَلِ الْقَدَمِ إِلَى الرَّأْسِ لَيْسَ فِيهِ صِحَّةٌ، بَلْ جُرْحٌ وَأَحْبَاطٌ وَضَرْبَةٌ طَرِيَّةٌ لَمْ تُعْصَرْ وَلَمْ تُعْصَبْ وَلَمْ تُلَيَّنْ بِالزَّيْتِ". (إشعياء 5:1-6) بالرغم من كلّ هذا إلّا أن الله يحبّ الإنسان ويتعامل معه بكرم وسخاء.
للكرم الإلهي مرادفات كثيرة أذكر منها الجود الإلهي، الإنعام الإلهي، العطاء الإلهي، السخاء الإلهي. وحول الكرم الإلهي أتحدّث في ثلاثة أمور:
أوّلًا: الإله الغنيّ
الله غنيّ ويقول الكتاب عن غناه بأنه لا يُستقصى. "... أن أبشّر بغنى المسيح الذي لا يُستقصى." (أفسس 8:3) له السماوات... "للربّ الأرض وملؤها. المسكونة، وكلّ الساكنين فيها." (مزمور 1:24)
يقول الرسول بولس: "لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالْيُونَانِيِّ، لأَنَّ رَبًّا وَاحِدًا لِلْجَمِيعِ، غَنِيًّا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ." ويقول الرب عن نفسه: "لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ." (حجي 8:2)
غنيٌّ في الرحمة: "اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ..." (أفسس 4:2-5)
غنيٌّ في النعمة: "الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ." أفسس 7:1) "... بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ. وَأَقَامَنَا... وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ." (5:2-7)
غنيٌّ في اللطف: "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟" (رومية 4:2) إن إلهنا الذي نعبده هو إله غنيّ وغناه لا يُستقصى. يا للعجب! هذا الإله الغني لم يجد مكانًا ليولد فيه فوُلد في مذود – وفي حياته لم يجد مكانًا يضع فيه رأسه "لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ". (متى 20:8)
ثانيًا: المعطي السخيّ
إنه إله معطاء! هناك أغنياء كثيرون وبعضهم بخلاء جدًّاـ أما إلهنا فهو غنيّ وسخيّ.
1- يُشبِع: من البركات التي بارك بها موسى أسباط إسرائيل الاثني عشر قال عن نفتالي: "يَا نَفْتَالِي اشْبَعْ رِضًى، وَامْتَلِئْ بَرَكَةً مِنَ الرَّبِّ." (تثنية 23:33)
ويقول كاتب المزمور: "... أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى الأَبَدِ." (مزمور 11:16) وكم أحبّ الآية التي تقول: "وَيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ، وَيُشْبعُ فِي الْجَدُوبِ نَفْسَكَ، وَيُنَشِّطُ عِظَامَكَ فَتَصِيرُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وَكَنَبْعِ مِيَاهٍ لاَ تَنْقَطِعُ مِيَاهُهُ." (إشعياء 11:58) لقد أشبع إيليّا في المجاعة لما كانت تأتي إليه الغربان... يقول داود: "كما من شحم ودسم تشبع نفسي، وبشفتيّ الابتهاج يسبّحك فمي". (مزمور 5:63) وقالت العذراء القديسة الطهور مريم: "أشبع الجياع خيراتٍ وصرفَ الأغنياءَ فارغين." (لوقا 53:1)
2- يُغني: "الرَّبُّ يُفْقِرُ وَيُغْنِي". (1صموئيل 7:2) "فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ". (2كورنثوس 9:8)
3- يُعطي بسخاء: يعطي "... أكثر جدًّا مما نطلب أو نفتكر، بحسب القوّة التي تعمل فينا". (أفسس 20:3) طلب يوسف أن يخرج من السجن فقط، ولو حدث ذلك لكان قد خرج من سجن ضيِّق إلى سجن واسع. لكن الربّ أعطاه أكثر ممّا طلب. أخرجه من السجن ليصير ثاني شخص في مصر. حتى أن إخوته قالوا عنه بأنه سيّد الأرض – "... فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ". (يعقوب 5:1)
4- يُعطي خيرًا جزيلًا: "كَثِيرُونَ يَقُولُونَ: مَنْ يُرِينَا خَيْرًا؟" (مزمور 6:4) ولكنّ الربّ يقول: "قولوا للصّدّيق خير!" (إشعياء 10:3) والمؤمن يستطيع أن يقول: "إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي..." (مزمور 6:23) "لاَ يَمْنَعُ خَيْرًا عَنِ السَّالِكِينَ بِالْكَمَالِ". (مزمور 11:84) إنه "يَهَبُ خيراتٍ للّذين يسألونه!" (متى 11:7)
ثالثًا: الواجب الحتميّ
أ- إرضاؤه: ولا يمكن أن يرضى الربّ بغير إيمان. "بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ". (عبرانيين 6:11) لكنّ الله لا يرضى إلّا بالإيمان القويّ الذي يمكن أن يحرّك الجبل من مكانه. "لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ... ولهذه الْجُمَّيْزَةِ: انْقَلِعِي وَانْغَرِسِي فِي الْبَحْرِ فَتُطِيعُكُمْ." (متى 20:17 ولوقا 6:17)
إيمانٌ مثل إيمان إبراهيم الذي قدّم ابنه وهو يؤمن أنّ الله قادرٌ على الإقامة من الأموات... وإيمان موسى الذي "لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُفَضِّلًا بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّةِ، حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ." (عبرانيين 24:11-26)
ب- إكرامه: "الابْنُ يُكْرِمُ أَبَاهُ، وَالْعَبْدُ يُكْرِمُ سَيِّدَهُ. فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَبًا، فَأَيْنَ كَرَامَتِي؟ وَإِنْ كُنْتُ سَيِّدًا، فَأَيْنَ هَيْبَتِي؟" (ملاخي 6:1) نكرمه ليس بالشفتين – "يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا." (متى 8:15)
ج- عبادته من كلّ القلب: أوصى داود ابنه سليمان: "وَأَنْتَ يَا سُلَيْمَانُ ابْنِي، اعْرِفْ إِلهَ أَبِيكَ وَاعْبُدْهُ بِقَلْبٍ كَامِل وَنَفْسٍ رَاغِبَةٍ..." (1أخبار 9:28) "اخْشَوْا الرَّبَّ وَاعْبُدُوهُ بِكَمَال وَأَمَانَةٍ..." (يشوع 14:24) "اعْبُدُوا الرَّبَّ بِفَرَحٍ. ادْخُلُوا إِلَى حَضْرَتِهِ بِتَرَنُّمٍ." (مزمور 2:100)


