من بينِ الأنقاض المتناثرة، والرَّدم الذي يعمُّ المكان، والحجارة المتراكمة
فوقَ بعضها بسبب الزلزال الحاصل، صرختْ جِنين - الطفلةُ السورية – من عُمق القلب، وعلى أعلى وتيرةٍ لصوتها، عسى أن يسمعَها المنقذُون من تحتِ الرّكام. لم تكنْ جِنين وحدَها آنذاك بل كانت تحمي أخاها الصغير بيديها الرقيقتين الضعيفتين ممَّا يحيطُ بهما من الحُطام الساقط عليهما من الطابقَيْن المُنهارَيْن في البناء وراحت تنادي بصوت متحشرج وتقول: "أخرجونا من هنا أرجوكم. وسأقوم بفعل أيّ شيء تطلبونه. أخرجونا من فجوة الموت هذه. وسأصبح خادمتكم مدى الحياة."
حدث هذا يوم الزلزال الكبير الذي ضرب تركيا وسوريا وجزءًا من لبنان في 6 شباط من العام 2023 الذي بلغت قوّتُه على الريختر سكايل (7.8) ، وراح ضحيّتَه أكثرُ من 60 ألف شخص بين تركيا وسوريا، ووقع أكثرُ من 130 ألف جريح. هذا بالإضافة إلى مليون ونصف شخص ممَّن فقدوا منازلهم وأضحوا من دون مأوى بحسب تقديرات هيئة الأمم المتّحدة.
صرخةٌ من الأعماق تطلبُ الإنقاذَ من الموت المحتم من تحت الأنقاض. وما أكثرَ هذه الصرخات في هذه الأيام التي وصلنا إليها في القرن الحادي والعشرين. صرخاتٌ مماثلة نسمعُها لأطفالٍ أبرياء تزلزلتِ الأرضُ بهم من جراء Drones المراكب الطائرة من دون طيّار، التي تقصف الصواريخ عشوائيًا. هذه الحروب البشعة التي تنال الصغير والكبير وتحرق الأخضر واليابس. صرخاتٌ مدوّية تملأ عالم اليوم عالم الحضارة والتكنولوجيا. فهل من سميعٍ؟ أو مجيب؟
ومقابلَ هذه الصورةِ الواقعيّة نشهدُ واقعًا آخر لا أعلم بماذا أصفُه؟ أهو مشهدٌ أكثرُ صعوبةً من ذاك يا ترى؟! وهنا أترك للقارئ الحُكْم. مشهدُ أطفالٍ أبرياء في مياتمِ العالم، لا يَسْمع أحدٌ صوتهَم. لماذا؟ لأنَّهم لم يعودوا يبكون أو يستغيثون. فلا أحدَ يسمعُهم أو يستجيبُ لندائهم، لذا توقّفوا عن الاستنجاد بالناس. قرأتُ عن ذلك في كتاب بعنوان: "متبنّىً مدى الحياة" يحكي فيه الكاتب Dr. Russel Moore المحرّر في مجلة "المسيحيّة اليوم" واصفًا فيه رحلتَه والعائلة إلى أحدِ المياتم بهدف أن يتبنَّى طفلًا من هناك. ففوجِئ حين دخلَ إلى حيث أسرَّة الأطفال في غرفة الحضانة بالصمتِ المُطْبَق الذي كان يملأ ُالمكان. حتى إنَّ الأطفالَ الرُّضَّع ذوي الشهور المعدودة لم يكونوا يبكون أبدًا. وأفصحَ الكاتبُ فيما بعد عن السبب إذ قال: "لم يأتوا بأيِّ بكاءٍ من أيِّ نوع ليس لأنَّهم لا يحتاجون إلى شيء بل لأنَّهم إذا فعلوا فلن يستفيدوا شيئًا. فلا أحدَ يسمع لهم، وما من أحدٍ يستجيب لبكائهم. وعليه توقّفوا عن البكاء ولاذوا بالصمت والسكوت!
ماذا عنّا نحنُ اليوم؟ هل نسمع؟ هل نعي ماذا نسمع؟ من أصواتٍ صارخة تئنُّ طالبةً الخلاصَ والإنقاذ من معاناة الحروب والويلات؟ من جراء الموت والدمار؟ وكذا من مصاعب الحياة وآلامها؟ وهل تراهُ ضاع الأملُ أمِ انتفى الرجاء في عالمنا؟ هل سيطر علينا اليأسُ ووصلنا إلى الفشل، مثلَ أولئك الأطفال اليتامى؟ فَصِرْنا نعيش في صمتٍ مُطبَق؟ أوَلَم يَعُدِ الناسُ يتذكّرون أطفالهم وهم ينادون "بابا... ماما... أنا خائف"؟ ألم يقفزوا عند ذاك من الفراش في منتصف الليل ويركضوا ليُطَمْئِنوا أولادَهم بضمِّهم إلى صدرهم فيُبعدوا عنهم كلَّ خوف أو قلق من حلمٍ مزعج أو مرضٍ مفاجئ؟
نشعرُ أحيانًا بأنَّ الله الذي يرى كلَّ ما يحدث من مآسٍ مع بني البشر وكأنَّه قد تركنا، أو أنَّه غيرُ مكترثٍ بنا. تمامًا مثلَما شعرَ تلاميذُ الرب يسوع وهم في عمقِ البحر بينَ الأمواجِ المتلاطمة. إذ يخبرنا البشير مرقس بالتفصيل عمَّا حدث فيقول: "فحدثَ نوءُ ريحٍٍ عظيمٌ، فكانت الأمواج تضربُ إلى السفينة حتى صارت تمتلئ. وكان هو (يسوع) في المؤخَّر على وسادةٍ نائمًا. فأيقظوه وقالوا له: [يا معلّم، أما يهمُّك أنَّنا نهلك؟] فقام وانتهر الريح، وقال للبحر: [اسكُتْ! اِبكَمْ!] فسكَنت ِالريح وصار هدوءٌ عظيم. وقال لهم: [ما بالُكم خائفين هكذا؟ كيفَ لا إيمانَ لكم؟]" (مرقس 37:4-41)
نعم، إن كان في خضم الأمواج المتلاطمة، أو تحتَ الركام والأنقاض، أو حتى في المياتم الصامتة صمتَ الموت، هناك مَن يهتمُّ بنا ويعتني فينا حتى لو لم نكن نشعر بذلك أحيانًا. أجل، هناك مَن ينُقذ وينجّي من أصعب الظروفِ المحيطة بنا حتى لو لم نرَ نحن ذلك بأمِّ أعيننا! قال R C Sproul اللاهوتي الأمريكي المعروف: "لا أشعُر دائمًا بحضور الله، ولكنَّ وعودَ الله لا تستندُ على مشاعري. بل ترتكزُ على أمانته الثابتة." منذُ عدّة أشهر اجتزْنا في محنةٍ صعبة من جرَّاء مرضٍ فجائي أصابَ أحدَ أطفالِ العائلة فصرخنا من أعماق قلوبنا كيما يترأفُ الرُّب ويرحم متمسّكين بمواعيد الله الثابتة التي لا تتغيّر. فبكَيْنا وتوسَّلنا إلى الرب. وكانتِ النتيجةُ أنَّ الربَّ سمعَ من عُلاه وأنقذَ الطفلَ من حالة صحية خطيرة إذ منح الحكمة للأطباء المعاينين فشخّصوا المرض وعالجوه على جناحِ السرعة. عندها عاد إلينا الطفل معافىً وشُفي من كلّ ما اعتراه من آلام. فبكينا لكن هذه المرة دموعُ الفرح ملأتْ مآقينا وقدَّمنا الشكر للربّ الذي لم يتركْنا.
ألا تداهمنا مشاعرُ سلبيّة إزاءَ ما يجري من ظلمٍ وقهر لا يوصف حولنا؟ فنتضايق وننزعج ونتألّم لألم الآخرين لأننا لا نستطيع أن ننسلخَ عن العالم الذي نحن فيه، مع أننا لسنا منه كما ورد في صلاة المسيح: "أنتم في العالم لكنَّكم لستم من العالم". (يوحنا 17) هذا يعني أنّنا نتأثّر إلى حدٍّ كبير بما يجري. وعلينا مسؤولية كبيرة بأن ننخرط بالتعاطف إنسانيًّا وروحيًّا. ونُهبّ لنساعد ونصلّي بلجاجةٍ كيما يتدخّل الله ويوقف عمل الشرّ والظلم أينما وُجِد.
إنَّ المزامير مليئةٌ بصرخاتِ وأنين أولادِه المؤمنين حين رأوا ماذا يفعل الأشرار فنقرأ: "لا تَغَرْ من الأشرار، ولا تَحسِدْ عُمَّال الإثم، فإنَّهم مثلَ الحشيش سريعًا يُقطعون، ومثلَ العشب الأخضر يذبلون... انتظرِ الرب واصبرْ له، ولا تغرْ من الذي ينجح في طريقه، من الرجل المجري مكايد... الأشرارُ قد سلُّوا السيف ومدُّوا قوسَهم لرمي المسكين والفقير... سيْفُهم يدخل في قلبهم، وقسيُّهم تنكسر... قد رأيتُ الشريرَ عاتيًا، وارفًا مثلَ شجرةٍ شارقة ناضرة. عبَر فإذا هو ليس بموجود، والتمسْتهُ فلم يوجد. لاحظِ الكامل وانظر المستقيم، فإنَّ العَقِبَ لإنسان السلامة. أما الأشرار فيُبادون جميعًا. عَقِبُ الأشرار ينقطع.
أمَّا خلاصُ الصدّيقين فمِن قِبَل الرب، حصنُهم في زمان الضيق. ويعينهم الرب وينجّيهم. ينقذهم من الأشرار ويخلّصهم، لأنهم احتموا به." (مزمور 1:37-2، 7، 14-15، 35-40)
فهل تُرانا نثق بالله خالقِنا وصانعنا؟ مكتوبٌ عنه: "يا سامعَ الصلاة، إليك يأتي كلّ بشر." (مزمور 2:65) "الغارسُ الأذُنِ ألا يسمع؟ الصانع العين ألا يُبصر؟" (مزمور 9:94)
كتب القس الطيب الذِّكر إبراهيم عويس في هذا الصدد يذكّرنا بأهمية الثبات على مواعيد الله التي لا ولن تتغيّر فيقول:
1- ثابتٌ على مواعيد يسوع
لاسمِه أُنْشِدُ ما بين الجموعْ
لا أُزَعْزَعُ وليس ما يَــروعْ
ثابتٌ على وعودِ الله
القــــــــرار
ثابتْ، ثابْت ثابتٌ على وعودِ ربّي الإله
ثابتْ، ثابتْ إنِّي ثابتٌ على وعودِ الله
2- ثابتٌ على مواعيدَ تدومْ،
عندما زوابعُ الشكِّ تَحُوم.
حولَ نفسي لا أخافُ بل أقومْ،
ثابتٌ على وعودِ الله
حتى وإن لم نشعرْ بحضور الله معنا أحيانًا كالتلاميذ وظننَّا بأنَّه غيرُ مهتمٍّ بنا، فإنَّ هذا لن يمْنَعَنا من التسليم له والثقة بمواعيده الثابتة. ثم ترانا هل نقف في الثغرة حين نسمع صرخات الاستغاثة من حولنا؟ وهل ننصُت إلى صوتِ الذين لا صوتَ لهم؟


