Voice of Preaching the Gospel

vopg

يستطيع الإنسان أن يروّض معظم الحيوانات البرّيّة، ومن الأمثلة على ذلك ترويض الحيوانات

لتقديم العروض في السيرك: دببة تقود دراجات... أسود ونمور تقفز في حلقات نارية... فيَلة تقف على رؤوسها... كلاب تلعب الكرة... دلافين ترقص وتقفز في الماء.
رغم هذه القدرة على ترويض الحيوانات، فإنّ الإنسان لا يستطيع أن يروّض شيئًا صغيرًا جدًّا يمتلكه دون عون خاصّ من الله، وهذا الشيء الصغير هو اللسان.
في الواقع إن أهمّ ما يميّزنا عن بقية المخلوقات من نباتات وحيوانات هو قدرتنا على النطق والكلام.
الكلام والقدرة على الاتصال والحوار مع الآخرين هي نعمة رائعة لنا من الله.
وفي الكلام الذي ننطق به قوّة جبّارة غالبًا لا ندركها. كلامنا قادر أن يغيِّر ويشكِّل حياة النَّاس إمّا للأحسن أو للأسوأ. وما أكثر الرجال الذين طعنوا نساءهم بكلمات أمضى من السيف. وما أكثر النساء اللواتي بألسنتهم قطَّعن قلوب أزواجهنَّ ومزّقنها. ما أكثر الأهل الذين دمّروا مستقبل أولادهم بكلمات ناريّة. وما أكثر الأبناء الذين ملأوا قلوب آبائهم وأمّهاتهم بالحسرة واللوعة.
وللأسف أقول: ما أكثر الكنائس التي مُسحت عن وجه الأرض بسبب حروب كلاميّة بين أعضائها. وما أكثر تلك التي انقسمت على مدار التاريخ بسبب أقوال هدَّامة.
كلامنا هو فضلة ما في قلوبنا، كما تقول كلمة الله: "مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ الْفَمُ. اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْب يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشُّرُورَ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ. لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ". (متّى 34:12-37؛ انظر أيضًا لوقا 45:6).
ومن لا يضبط لسانه، فإنه بحاجة إلى مراجعة حياته الروحيّة وتصحيح علاقته مع الله.
كلّ واحد منّا يفرح ويتشجّع وترتفع معنويّاته عندما يسمع عبارات تدلّ على المحبّة والتقدير، وفي نفس الوقت نتضايق جميعنا عندما نسمع عبارات هدّامة مثبطة تذمّ في شكلنا وتصرّفاتنا.
هذا هو حال البشرية: ننطق بكلمات كثيرة ومتنوّعة، ولكنّنا لا نفكّر أحيانًا بقوّة وتأثير هذه الكلمات على حياتنا وحياة الآخرين.
يحذّرنا الله في رسالة يعقوب 1:3-12: "لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ. لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا." يجب أن نكون حذرين عندما نرغب بأن نكون معلّمين للآخرين، لأن المعلّم سيقع تحت دينونة أعظم من دينونة الآخرين، فكلامه وتعليمه سيؤثّران بكلّ تأكيد في عقائد الآخرين وأخلاقهم وسلوكهم، وبالتالي فمسؤوليّته أمام الله عظيمة جدًا.
ربما يظنّ المعلّم أن رتبته ودوره مهمّان في الحياة، فهو كمعلّم له امتيازات وسلطة ومركز ومهابة، وهو بذلك ينسى أن هذا المركز القيادي يعني أن عليه مسؤوليّة عظيمة أمام الله، وبأنّه بالتالي يجب أن يتواضع ويشكر الله على ما أعطاه، ويضبط لسانه ويفكّر بكلّ كلمة ينطق بها.
نكتشف في الآية الثانية أنّه ليس المعلّم فقط من قد يقع في الخطيَّة، بل أن كلّ واحد منّا عليه أن يعترف بأنّه يعثر ويخطأ في أشياء كثيرة، وخصوصًا خطايا اللِّسان العديدة والمتنوّعة.
ثم نقرأ عبارة رائعة: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْثُرُ فِي الْكَلاَمِ فَذَاكَ رَجُلٌ كَامِلٌ." (يعقوب 2:3)
من لا يخطئ في الكلام، فهو إنسان ناضج في إيمانه وعلاقته مع الله، كما نقرأ في سفر الأمثال 23:21 "مَنْ يَحْفَظُ فَمَهُ وَلِسَانَهُ، يَحْفَظُ مِنَ الضِّيقَاتِ نَفْسَهُ".
نقرأ في الآية الثانية عن العلاقة المباشرة بين الكلام والعمل، فالذي لا يعثر بلسانه لا يعثر بأعماله، فخطايا اللِّسان ترتبط مباشرةً مع خطايا الجسد.
في رسالة يعقوب 3:3-12، يقدّم لنا الله ستة صور كلامية عن اللِّسان، وهذه الصور والتشابيه تبيّن لنا مقدار صغر اللِّسان حجمًا وقوّة تأثيره فعلًا:

1- اللجام: يضع مروّضو الخيول قطعة معدنيّة في فم الحصان تسمّى اللجام، وهذه القطعة الصغيرة تتحكّم بقوّة الحصان العظيمة. فراكب الخيل يتحكّم بحركة الخيل من حيث الركض أو السير أو التوقّف أو الرجوع للخلف بواسطة اللجام.

2- الدّفة: يشبّه الرسول اللِّسان أيضًا بدفّة السفينة أو الباخرة وحتى حاملة الطائرات. تصوّروا معي عجلة صغيرة أو قضيب معدني قادر أن يتحكّم بحركة سفينة هائلة قد تحمل آلاف المسافرين أو مئات الأطنان من البضائع أو حتى مجموعة من الطائرات.
يجب أن يكون كلّ من اللجام والدفّة تحت تحكُّم وسيطرة يدٍ قويّة، وبنفس الصورة، يحتاج لساننا الصغير أن يكون تحت سلطان الله القدّوس، فمِن ألسنتنا تخرج كلمات للحياة وكلمات للموت.

3- نار: في الآيتين 5 و6 يشبّه الرسول يعقوب اللِّسان بالنَّار، وهو عالَم الإثم بين أعضائنا الجسديّة. تصوّر أن اللِّسان عالمٌ بذاته في الجسم البشريّ، ولكنّه عالمُ الإثم لأنّه مصدرٌ لسقوط الإنسان بأكمله. نعم، لسان الإنسان يحرق الإنسان ويحطِّمه، وللأسف الشديد، إن مصدر نار اللِّسان التي تحرق كلّ الإنسان هي جهنّم، أي أن الشيطان، الّذي هو الشرير وعدوّ النفس، هو مصدر كلّ شرٍّ ينطق به لسان كلُّ واحدٍ منّا.
تصوّروا معي غابةً من آلاف الأشجار وعمرها مئات السنين، ومع ذلك فعودٌ واحدٌ من الكبريت كفيلٌ بحرقها وتحويلها إلى رماد. فالنار قوّة مدمّرة جبّارة ولسان كلٌّ منَّا له نفس هذه القوّة الجبَّارة على حرق النَّاس والذات وخراب البيوت والأُسَر والمجتمعات والكنائس والمؤسّسات، وحتى الحياة نفسها.
تستطيع الكلمات أن تنتشر كالنار في بيوتنا وكنائسنا ومؤسساتنا وتدمّر الجميع. تذكَّر معي قول داود في مزمور 13:34 "صُنْ لِسَانَكَ عَنِ الشَّرِّ، وَشَفَتَيْكَ عَنِ التَّكَلُّمِ بِالْغِشِّ".

4- شرٌّ لا يُضْبَط: في الآيات 7-8 يذكّرنا الرسول يعقوب بقدرة الإنسان على ترويض وضبط الكائنات الحيّة. فالإنسان دجَّن الحصان والحيوان والطير والسمك. واستطاع استخدام حيوانات كثيرة لخدمته. حتى الأسود والنمور روَّضها الإنسان، مع ذلك فلم ولن يستطيع الإنسان أن يروّضه، فهو "شرٌّ لا يُضْبَط، مملوءٌ سمًّا مميتًا". اللِّسان دائمُ الحركة، فهو لا يستريح، ودائمًا يبحث عن ضحيّة جديدة. هكذا الأفعى السّامة والقاتلة، فهي لا ترحم من يقع بين أنيابها.

5- ينبوع أو نبع: يقدّم لنا الرسول يعقوب صورة خامسة للّسان وهي صورة النبع، وهذه الصورة تساعدنا لنفهم أنه يستحيل علينا أن نبارك ونلعن بنفس اللِّسان في الوقت نفسه، فالذي يلعن النَّاس لا يمكن أن تكون صلاته لله مقبولة أو صادقة. ولتوضيح هذه الثنائية أو التناقض فيما يخرج من بركة ولعنة من اللِّسان، يسأل الرسول سؤالًا يدعو للتأمّل "أَلَعَلَّ يَنْبُوعًا يُنْبِعُ مِنْ نَفْسِ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ الْعَذْبَ وَالْمُرَّ؟". والجواب عن هذا السؤال هو بالنفي. لا يمكن لنفس ينبوع الماء أن يعطينا، وفي نفس اللحظة، ماءً عذبًا صالحًا للشرب، وماءً مرًّا أي مالحًا لا يصلح لشيء. أيّ، إن الرسول هنا يعلِّمنا بأنّه كما أن نبع الماء الواحد يعطي نوعًا واحدًا من الماء، وهذا الماء إمّا يكون عذبًا أو مالحًا، كذلك علينا كبشر أن ننتبه لما يخرج من أفواهنا، فلا نمثّل الورع والتقوى والإيمان، ونبارك الله في محضر الآخرين أو في الكنيسة، لكنّنا في حياتنا الخاصّة نجدّف ونلعن النَّاس ونشوّه سمعتهم.

6- شجر مثمر: الصورة الأخيرة في عدد 12 هي صورة ثمار الأشجار. فكما أن كلّ شجرة تعطي ثمارها الخاصّة بها، كذلك اللِّسان يعطي ثمارًا تجسّد حقيقة صاحبه. من التين نأكل ثمر التين ومن الكرمة نأكل عنبًا. ومن ثمر لساننا، ماذا نستفيد ونفيد النَّاس: هل ثمر لساننا هو كلام حياة وبناء، أم كلام موت ودمار؟
يتبع في العدد القادم

المجموعة: آب (أغسطس) 2025

logo

دورة مجانية للدروس بالمراسلة

فرصة نادرة تمكنك من دراسة حياة السيد المسيح، ودراسة حياة ورسائل بولس الرسول. عندما تنتهي من هاتين الدراستين تكون قد أكملت دراسة معظم أسفار العهد الجديد. تتألف كل سلسلة من ثلاثين درسًا. تُمنح في نهاية كل منها شهادة خاصة. للمباشرة بالدراسة، أضغط على خانة الاشتراك واملأ البيانات. 

صوت الكرازة بالإنجيل

Voice of Preaching the Gospel
PO Box 15013
Colorado Springs, CO 80935
Email: hope@vopg.com
Fax & Tel: (719) 574-6075

عدد الزوار حاليا

203 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

إحصاءات

عدد الزيارات
13980451