في أواخر الثمانينيّات أَجْبَرَتْ الحرب في لبنان كثيرًا من سكّان بيروت على الهروب إلى الجبال بعيدًا عن القصف وأصوات القذائف وخطرها.
كنّا نسكن في جبل كسروان ولدينا طفلتان صغيرتان. تعرّفَت علينا عائلة صار أفرادها يأتون إلينا وينامون في بيتنا كلّما تأزّمت الأحوال، رجل وزوجته ومعهما ابنتهما. كنّا نتحدّث ذات مرّة، وعرف الضيف أنّني أكره الحيّات كثيرًا. في الزيارة التالية، عندما ابتدأ إطلاق النار في بيروت، جاءت هذه العائلة إلينا، وعند وصولهم قال لي صاحبنا مبتسمًا، "جلبت لكِ هديّة، ومدّ يده ليناولني مرطبانًا زجاجيًا فيه حيّة محنّطة وهو من قتلها. انزعجت جدًّا من منظرها، وطلبت أن يتركها في سيارته، وأما هو فكان يضحك بكلّ قلبه.
المزاح موضوعٌ لا نسمع عنه الكثير، لكنّ محبّتنا لله تدعونا لفحص كلّ أمر في ضوء كلمته. هل فيها ما يعلّمنا عن المزاح؟ هل الله يريدنا أن نضحك؟ بكلّ تأكيد، وإلّا لما خلق القرود على حدّ قول أحدهم. يحكي هارلان بوبوف عن عذابه في سجون الشيوعيّة. كان طعامهم يشبه الحساء دون أن يحتوي على شيء ملموس، بل مجرّد ما يبقيهم على قيد الحياة. وذات يوم وجد أحد سجناء زنزانته حبّة فاصولياء في حسائه، فصار الجميع يصفّقون له، ويلقّبونه بالمحظوظ. ويقول هارلان: "كنّا سنُصاب بالجنون لو لمْ نتحلَّ بروح المرح وسط المرارة." المزاح ضروريّ أحيانًا في البيت والعمل وفي الأحوال الصعبة، فهو يزيل التوتّر، ويُقال إنه يساعد على النوم، ويجعل الجلسات وُدِّيَّة ومريحة عوضًا عن الجدّيّة المطلقة والعبوس. بعض الناس يتحلّون بروح المرح والنكتة وهم موهوبون في روح الدعابة التي لديهم، وهم لطفاء يجعلونك تضحك حتى عندما لا يقصدون، ولكن بعض الناس يحاولون أن يكونوا مازحين والمزح ليس طبيعتهم.
شروط المزاح أو التسلية
1- عدم الاستهزاء بالآخرين. "إِنْ كَانَتْ تَسْلِيَةٌ مَا لِلْمَحَبَّةِ" (فيلبي 1:2). كم من الناس يسخرون بالطويل والقصير والسمين والنحيف، والقائمة لا تنتهي. ويسمّون الآخرين ألقابًا بناءً على شكلهم، وفي الكتاب مثالٌ عن الذين لحقوا نبيّ الله أليشع وكانوا ينادونه، "اصْعَدْ يا أقرع!" (2ملوك 23:2-24) وكيف عاقبهم الله. ومن الناس من يستهزئ بغيره بناءً على كلمةٍ قالها، مثلما استهزأ إخوة يوسف به قائلين، "هُوَذَا هذَا صَاحِبُ الأَحْلَامِ قَادِمٌ" (تكوين 13:37-19) مع أنه جاء لافتقادهم بناءً على طلب أبيه. ويستهزئ البعض بمِهَنِ الآخرين مثلما نقرأ في سفر صموئيل الأول عن أليآب وهو أخو داود، قال له عندما رآه في الحرب، "لِمَاذَا نَزَلْتَ؟ وَعَلَى مَنْ تَرَكْتَ تِلْكَ الْغُنَيْمَاتِ الْقَلِيلَةَ فِي الْبَرِّيَّةِ؟" (17:1) فالتحقير ليس بمهنة داود كراعٍ فحسب، ولكن بحجم عمله مستخدمًا صيغة التصغير على أنّه رعاية غُنَيْماتٍ قليلة. يحذّرنا الكتاب من التعامل الفوقيّ مع إخوتنا، "لَا شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ." (فيلبي 3:2) لذلك علينا رفض النكات التي تسخر من عرق الآخرين ولونهم وبلدهم ولهجتهم. طالت هذه الاستهزاءات ربّنا يسوع وسمّوه سامريًّا وناصريًّا. قد تكون المزحة بريئة ومجرّد مقارنة في اللهجات، ولكنّها أحيانًا تحتوي على سخرية حقيقيّة من شخصٍ أو بلدٍ بكامله. وما يسبّبه المزح لدى الآخر دليل على صلاح المزحة. فإذا أدّى مزاحنا إلى وضع ابتسامةٍ على ثغر الآخر فهو إجمالًا مزاح لطيف، ولكنّه عندما يتسبّب في جرح الآخر وحزنه فهذا دليل على وجود خطأ ما. وما يزيد الطين بلّة هو أنّ المازح بعد أن يرى ردّة الفعل، يعود فيعاتب أو حتى يوبّخ بقوله، "هل انزعجت حقًّا؟ هل أنت حسّاس هكذا؟ ألا تحتمل مزحة؟ وهذا تمامًا ما يرد في الأمثال 18:26-19 "مِثْلُ الْمَجْنُونِ الَّذِي يَرْمِي نَارًا وَسِهَامًا وَمَوْتًا، هكَذَا الرَّجُلُ الْخَادِعُ قَرِيبَهُ وَيَقُولُ: ‘أَلَمْ أَلْعَبْ أَنَا!’"
2- التوقيت الصحيح، كلّنا نعرف الآية في سفر الجامعة 4:3 "لِلْبُكَاءِ وَقْتٌ وَلِلضَّحْكِ وَقْتٌ." فَرِح الربّ يسوع مع أهل العرس في قانا الجليل وسَتَرَهم وحلّ مشكلتهم (يوحنّا 2)، وبكى أيضًا مع الباكين عند قبر لعازر مع أنّه سوف يقيمه بعد دقائق (يوحنّا 11)، والآية تقول، "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ." (رومية 15:12). بعض الناس لا يمتنعون عن المزاح والضحك حتى في المناسبات الحزينة مثل الجنازات والدفن، وهذا غير مقبول. قالت لي صديقتي، لا أستطيع أن أرى أحدًا يقع ولا أضحك بشدّة. هذا غريب، لأنّ من يقع يتألّم، وعلى الأقلّ يشعر بالإحراج، كيف يمكن أن نحبّ شخصًا ما ونقهقه عندما نراه في موقف كهذا!
3- القداسة شرط في كلِّ أقوالنا. يتحدّث يهوذا في رسالته عن الناس الذين يتهاونون بالسيادة. نسمع بالتأكيد نِكاتًا عن شخصٍ مات وذهب إلى السماء، وقال له الله كذا وكذا. نعلم أن الله نارٌ آكلة، وهو قدّوس، ويجب أن نهابه دائمًا، ولا نضع كلمات على فمه. فالوصيّة "لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلًا" (خروج 7:20) لا يقتصر معناها على الحلف، وإنما يشمل ذكر اسم الله دون توقير، ولا سيّما في النكات.
علينا أن نتجنّب النكات الجنسيّة أو التي تتناول العلاقات غير الشرعية بضحك، والامتناع قطعًا عن مشاركتها مع الجنس الآخر. تعليم كلمة الله واضح في أفسس 3:5-4 "وَأَمَّا الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ فَلاَ يُسَمَّ بَيْنَكُمْ كَمَا يَلِيقُ بِقِدِّيسِينَ، وَلاَ الْقَبَاحَةُ، وَلاَ كَلَامُ السَّفَاهَةِ، وَالْهَزْلُ الَّتِي لاَ تَلِيقُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ الشُّكْر."
كيف نتعامل مع المستهزئ؟
المستهزئ هو من يرى في أمور جدّيّة ما يضحكه ويسلّيه. في كلمة الله أمثلة عديدة أذكر منها:
1- لوطًا حين قال لأصهاره إن الله سيُهلك المدينة، ماذا كانت ردّة الفعل؟ "فَكَانَ كَمَازِحٍ فِي أَعْيُنِ أَصْهَارِهِ." (تكوين 14:19) وكلّنا نعلم عقابهم الأبديّ مع أهل سدوم وعمورة!
2- أليشع خلال حصار السامرة في الملوك الثاني 2:7 أخبر الشعب أن الأسعار ستتدهور في اليوم التالي. سخر أحد الجنود بقوله، هل سيعمل الله طاقات في السماء؟ وما قاله النبيّ تمّ أمّا الجنديّ فمات في اليوم الثاني، ولم يتمتّع بالخير الذي وعد به الله بسبب سخريته من كلام الله.
3- يسوع وابنة يايرس: تخيّلوا المشهد، في البيت جموع حاشدة، يبكون ويولولون كثيرًا، جدّا الفتاة وجدّتاها، أقرباؤها وجيرانها. قال لهم يسوع إن الصبية نائمة، فضحكوا عليه. ماذا فعل يسوع؟ أخرج الجميع خارجًا ما عدا أبويها وثلاثة تلاميذ، ثم أقام الفتاة (مرقس 40:5).
4- سؤال الصدّوقيين عن الأرملة
يعرّف الكتاب الصدّوقيّين بأنّهم يقاومون أمر القيامة، وطرحوا على يسوع سؤالًا لا يخلو من السخرية. رووا له قصةً مستشهدين بما كتب موسى عن زواج الأرملة من سلفها بعد موت رجلها إذا لم يكن لها ولد. تخيّلْ هذه القصّة! سبعة إخوة، توفّي الأوّل ولم تنجب المرأة، فتزوّجت أخاه، وهكذا تزوّجت السبعة، وماتوا جميعًا، وآخر الكلّ ماتت المرأة، لمنْ تكون في القيامة؟ هل تَرَى عنصر الاستهزاء في القصة؟ في الكتاب نقرأ عن يهوذا الذي مات ابنه المتزوّج من ثامار بسبب شرّه، فتزوّجت أخاه، ثم مات هذا أيضًا ولكن لم يقبل الأب أن يعطيها للابن الثالث. لكنّ الصدّوقيّين هنا يخترعون قصّة تزوّجت فيها المرأة من إخوة زوجها الستة واحدًا تلو الآخر، وماتوا واحدًا تلو الآخر. ومع أنّ هؤلاء المستهزئين لا يؤمنون بالقيامة، فهم يسألون من سيكون زوجها في القيامة؟ ما هو جواب يسوع؟ "أَلَيْسَ لِهذَا تَضِلُّونَ، إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ؟" ثمّ أكّد أنّه في القيامة لا يزوّجون ولا يتزوّجون، وذكّرهم أن الله هو إله إبراهيم، إذًا إبراهيم حيّ معه، وبقوله هذا أسكتهم (مرقس 18:12-27). هل نتعرّض لمواقف مثل هذه؟ حريّ بنا أن نتمثّل بربّنا يسوع.
5- بولس وأغريباس. كان بولس يتحدّث عن اختبار توبته ورجوعه للمسيح أمام الملك أغريباس وكثيرين من الوجهاء. وعندما وجّه كلامه للملك مباشرة، أجابه الملك ساخرًا، "بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا؟" وما أحلى جواب بولس الحازم المقترن باللطف، "كُنْتُ أُصَلِّي إِلَى اللهِ أَنَّهُ بِقَلِيل وَبِكَثِيرٍ، لَيْسَ أَنْتَ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا جَمِيعُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَنِي الْيَوْمَ، يَصِيرُونَ هكَذَا كَمَا أَنَا، مَا خَلاَ هذِهِ الْقُيُودَ." (أعمال 28:26-29)
قال إرميا في 17:15، "لَمْ أَجْلِسْ فِي مَحْفَلِ الْمَازِحِينَ مُبْتَهِجًا"، لكنّه قال في الآية التي تسبقها مباشرة، "وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي." ونقرأ عن تطويب الإنسان الذي "فِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ. لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا." (المزمور 1:1-2)
يقيني أنه عندما تملأنا كلمة الله نتغيّر، ويصبح مزاحنا في محبّةٍ ولطفٍ لإدخال جوٍّ من التسلية المسيحيّة الصحيحة، فنُدْخِل الفرح في قلوب الآخرين ولا نزعجهم، وتكون تسليتنا مقدّسة لا تُحْزِن روح الله الساكن فينا.


