هل الإيمان هو الاعتقاد غير المنطقي في حدوث المستحيلات؟
كلّا: فالإيمان ليس هو التصديق الساذج.
لقد وضع الكتاب المقدس الإيمان والعيان على طرفَي نقيض "لأنّنا بالإيمان نسلك لا بالعيان" (2كورنثوس 7:5). لكنّه لم يفصل ذلك بالنسبة لعلاقة الإيمان بالمنطق. فالإيمان الحقيقي يتّفق مع منطق الله وصفاته ومواعيده لأنّ المؤمن يعكس في ذهنه هذه اليقينيّات ويثق بها.
الإيمان هو الثقة التي لها مبرّراتها، ثقة تامّة بلا حدود في شخص الله، في وعوده، في كلماته وأقواله. مثال قصة داود في 1صموئيل 1:30-6. كان العمالقة قد غزَوْا المدينة وأحرقوها، وسبوا النساء والأطفال. بكى داود ورجاله لأنها كانت محنة رهيبة، وبدلًا من اليأس، لم يحصر داود فكره في الواقع الأليم، ولم يبْنِ ثقته على نفسه بل حصر تفكيره في الربّ إلهه، وتذكّر وعود الله وأمانته معه، وتشدّد بإيمانه بالله. هنا نرى الإيمان والفكر يسيران معًا.
مثال آخر من العهد الجديد؛ قال يسوع: "فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟" (متى 30:6)
الإيمان طبقًا لكلام الرب يسوع هو أساسًا [تفكير في مشيئة الله]. والإنسان القليل الإيمان لا يفكّر بل يستسلم للظروف. ويمكن أن نُعرِّف الإيمان بأنه التصميم على التفكير بالرغم من الظروف التي تحاول أن تهزمنا فكريًّا! والإنسان القليل الإيمان يسمح لمسؤوليّات الحياة مثلاً أن تضغطه فيدور في حلقة مفرغة.
ونجد في فريضتي المعمودية والعشاء الربّاني أمرين لهما معنى نتبارك من خلالهما عن طريق إحياء الإيمان في الحقائق التي يرمزان إليها، فمثلًا العشاء الرباني هو تعبير اعترافي لنا عن حقائق دهريّة إيمانيّة بموت المسيح وصلبه وقيامته. فالحقيقة التي نعتنقها بأذهاننا ونصدّقها... نعيشها ونمارسها دوريًّا من خلال ممارسة تناول العشاء الرباني.
والمسيح يتكلّم إلينا من خلال الخبز المكسور والدم المسفوك، إذ نؤمن ونعبِّر ونقرّ ونعترف: "لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ." (عبرانيين 22:10) اليقين وليد الإيمان، والإيمان هو وليد المعرفة!
المعرفة والقداسة
من الأهداف العظيمة لكلمة الله أنّها تُوضّح لأولاد الله كيف يَحيَوْن حياة مقدّسة أمامه، ولقد أوضح الرب يسوع دور كلمة الله في تقديس الذهن، "تعرفون الحقّ والحقّ يحرّركم" (يوحنا 32:8)، لذا نكتشف أن خداع العقل هو أساس كلّ خطيّة!
من أروع الأمثلة على هذا حياة ربّنا يسوع المسيح إبّان فترة تجسّده. لقد أتاه الشيطان في البرّيّة ثلاث مرّات بتجارب، وكان يسوع يكشف بكلمة الله أن مقترحات الشيطان هي شرّ وضدّ إرادة الله.
كان ردّ السيّد المسيح بالمكتوب لأن الأمر كان قاطعًا ومنتهيًا في ذهن الربّ يسوع، ولا مجال للتفاوض فيه مع الشيطان، فأفحمه.
إن وضوح إرادة الله من خلال المعرفة الكتابيّة هو السرّ الأساسي في حياة القداسة.
لا يكفي أن تكون لنا دراية بما ينبغي أن نكون عليه، إنما يجب أن نصرّ على ذلك. فالمعركة غالبًا تُحسم في داخل ذهننا، وعندما نواصل تجديد أذهاننا بكلمة الله مرارًا وتكرارًا فهي تدعونا لأن نفتكر بـ "كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ..." (فيلبي 8:4) أيضًا (كولوسي 1:3-3)؛ "فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ. لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ." (رومية 5:8-6)
وضبط النفس هو في أساسه ضبط للعقل! لأن ما نزرعه في عقولنا نحصده بأفعالنا، وعقلنا يحتاج إلى غذاء كالجسد تمامًا، ونوعيّة الغذاء الذي نغذّي به عقولنا تحدّد نوعيّة الشخص الذي نكونه، فعلينا أن نغذّي أفكارنا بطعامٍ صحّيّ لا بسموم فكريّة.
يحاول الرسول بولس أن يوقظ عقل مستمعيه بقوله: أريد أن تعرفوا ولا تجهلوا، "أم تجهلون أننا..." فلقد كرّر التذكرة لهم عدّة مرّات في رسائله إلى أهل رومية وكورنثوس. ينبغي ألّا يغيب عن أذهاننا قصد الله من خلقنا وافتدائنا، لنتذكّر دائمًا ما فعله الله لنا في الفداء والخلاص.
هذه الحقائق العظيمة نعرفها تمام المعرفة وينبغي أن نُحدِّث أنفسنا بها ونعيشها. فتُغيِّر من أسلوب تفكيرنا ونمط حياتنا لنعيش كما يريد لنا الله، على عكس فكرة الدكتور نورمان بيل في كتابه "قوّة التفكير الإيجابي" الذي يستمدّ التفاؤل من الثقة بالذات والانفصال عن الواقع.
لكنّنا في حياتنا مع المسيح لنا واقع أبديّ وحقائق أبديّة دهريّة عن افتدائنا وموتنا وصلبنا وقيامتنا مع المسيح، وجلوسنا معه في السماويّات (أفسس 1:1-5). وكلّ هذا نتيقّن منه في طريق الإيمان والقداسة.
العقل والإرشاد الروحي
يريد الله أن يرشد شعبه وهذه حقيقة جليّة في الكتاب المقدس في مواعيده الإلهيّة "في كلّ طرقِكَ اعرفه، وهو يقوِّم سبلَك." (أمثال 6:3) "لاَ تَكُونُوا أَغْبِيَاءَ بَلْ فَاهِمِينَ مَا هِيَ مَشِيئَةُ الرَّبِّ" (أفسس 17:5).
إذا كنّا نريد أن ندرك إرادة الله من نحونا، علينا أن نفرّق بين أمرين: إرادة الله العامّة، وإرادته الخاصّة لنا.
في إرادة الله العامة نرى قصده لشعبه ككلّ يتمثّل في أن نكون مشابهين صورة ابنه، لكن إرادته الخاصة لنا تتعلّق بأمور شخصيّة مثل: نوعيّة العمل، واختيار شريك الحياة، واستخدام المال والوقت والإجازات.
ونجد أن إرادة الله مُعْلَنة في كلمة الله، فمبادئ الكتاب المقدس تضع لنا خطوطًا واضحة تساعدنا في تقرير أمورنا الخاصة.
مثال: موضوع الزواج (سواء كنت شابًا أو فتاة). الزواج بحسب كلمة الله هو التزام كامل ودائم بين رجل واحد وامرأة واحدة، وهو السياق الذي رتّبه الله لكي ينعم الإنسان بالاتّحاد والمحبّة الجنسيّة. فنظام الزواج مُعلن ومُتّفق مع غرض الله للبشريّة، والحياة بدون زواج استثناء وليست قاعدة.
هذا من ناحية إرادة الله العامة للإنسان في الزواج. أما من ناحية إرادة الله الخاصة، لن يُحدّد لك الكتاب المقدس اسم الفتاة التي تتزوّجها، وعليك أن تستخدم العقل والمنطق اللذين أعطاهم الله لك في اتخاذ القرار في هذا الموضوع الحيوي. وبالتأكيد ستصلّي، وإذا كنت حكيمًا فستسأل نصحًا من الوالدين أو بعض المرشدين. ثق أن الله سيساعدك في قرارك الخاص.
في مزمور 8:32 يوجد ثلاثة وعود لك بالإرشاد من الله: "أعلّمك... أرشدك... أنصحك". في عدد 9 يضيف كلمات ذات أهميّة: "لاَ تَكُونُوا كَفَرَسٍ أَوْ بَغْل بِلاَ فَهْمٍ. بِلِجَامٍ وَزِمَامٍ زِينَتِهِ يُكَمُّ" أو بلغّة أخرى،
الله يرشدك وينصحك ولكن لا تتوقّع أن يعمل ذلك بالطريقة التي نُرشِد نحن بها فرسًا أو بغلًا. لن يستخدم الله لجامًا أو زمامًا لأننا لسنا بغالًا أو خيولًا بل كائنات بشريّة، لنا فهم ولنا ذهن، ويقودنا الله إلى عمل إرادته عن طريقهما وباستخدام عقولنا مستنيرين بالكلمة المقدّسة علاوة على الصلاة واستشارة الحكماء.


