Voice of Preaching the Gospel

vopg

في أغلب الأحيان، عندما تأتي علينا المصائب أو تكتنف حياتنا الأوقات الصعبة، فإننا نتساءل:

"أين هو الله؟"؛ وإذ يرد هذا السؤال على أذهاننا، فإنّنا بذلك نفترض إمّا أن الله لم يكن يعلم بالضرورة ما سوف يحلّ بنا وإلّا لكان قد منعه، أو أن الله حتمًا لا يحبّنا، لأنّه، بكلّ تأكيد، لو كان يحبّنا لكان قد حفظنا من كلّ هذه الأوقات المؤلمة والتجارب الصعبة - على أن كلا الافتراضين ليس صوابًا. فالحقيقة هي أن الله يَعلم، وأن الله يُحبّ.
"هلْ جعلتَ قلبك على عبدي؟"
عندما تمرّ الأوقات الصعبة ونحسّ في داخلنا بالاضطراب والألم العميق، فإننا عادة نحاول أن نعايِن على من يقع اللوم؟ ونحن نفترض أحد أمرين: إما أن الشيطان هو المتسبّب فيما حدث لنا أو أن الله هو المتسبّب. لكن الافتراض الأقرب إلى الصواب هو هذا: الشيطان هو السبب وراء ما قد ألمّ بنا وأن الله قد سمح له.
دعونا نرجع إلى قصّة أيّوب.
كان أيّوب رجلًا يصفه الكتاب المقدس بأنّه "رجل كامل (أي بلا لوم) ومستقيم يتّقي الله ويحيد عن الشرّ (أيوب 1:1). وجاء الشيطان أمام الرب فقال له الرب: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ..." (أيوب 8:1) "فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ..."
ثم أعطى الله الإذن للشيطان ليمسّ ممتلكات أيّوب، وإنما إلى جسد أيّوب لا يمدّ يده. وتحرّك الشيطان ضدّ أيّوب، وضدّ بنيه وبناته كما ضرب أيضًا كلّ قطعانه ومواشيه، وكلّ الغلمان الذين له. لم يُبقِ على شيء، فقال أيوب: "عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا». نعم، في كلّ هذه النكبات لم يخطئ أيّوب إلى الله ولم يوجّه إليه اللوم. "فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ للهِ جِهَالَةً". (أيوب 22:1)
وجاء الشيطان من جديد أمام الله، فقال الربّ للشيطان: "هل جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ ... وَإِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ". (أيوب 3:2)
"فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «... كُلُّ مَا لِلإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لأَجْلِ نَفْسِهِ. وَلكِنْ ابْسِطِ الآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ»". (4:2-5) وقد سمح الربّ للشيطان أن يبتلي أيّوب، لكن دون أن يلمس حياة أيّوب بأذى. وهكذا ضرب الشيطان أيوب بقرح رديء في كلّ جسده، من باطن قدمه إلى الرأس. لقد غمر الشقاء أيّوب من كلّ ناحية.
حاولت امرأة أيوب أن تؤثّر عليه وتغريه أن يلعن الله ويموت. وزاد أصحاب أيّوب الثلاثة من عذابه وإيلامه باتّهاماتهم واستجواباتهم. وفي نهاية التجربة قال أيّوب لله: "قد عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ... بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ". (1:42-6)
يقينًا أن الله كان يعلم بما يعانيه أيّوب من عذاب وألم مبرح. وقد سمح الله أن يتألّم أيوب لأسباب يعلمها هو وحده جلّ شأنه. ربما كان البرّ الذاتي في أيّوب أحد هذه الأسباب، "لَبِسْتُ الْبِرَّ فَكَسَانِي. كَجُبَّةٍ وَعَمَامَةٍ كَانَ عَدْلِي". (14:29) "وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ضَحِكَ عَلَيَّ أَصَاغِرِي أَيَّامًا، الَّذِينَ كُنْتُ أَسْتَنْكِفُ مِنْ أَنْ أَجْعَلَ آبَاءَهُمْ مَعَ كِلاَبِ غَنَمِي". (1:30)
وفي كلّ مراحل الألم التي اجتاز فيها أيّوب والخسائر التي ألمّت به، لم يتخلّ الله عن أيّوب ولا للحظة واحدة. وفي كلّ خطوة في هذا الطريق - طريق الألم – الذي اجتاز فيه أيّوب كان الله يعلم كم كان يتألّم عبده، وكان أيضًا يعلم أن هذا الألم يؤول إلى تنقية أيّوب. "لأَنَّهُ يَعْرِفُ طَرِيقِي. إِذَا جَرَّبَنِي أَخْرُجُ كَالذَّهَبِ. بِخَطَوَاتِهِ اسْتَمْسَكَتْ رِجْلِي. حَفِظْتُ طَرِيقَهُ وَلَمْ أَحِدْ. مِنْ وَصِيَّةِ شَفَتَيْهِ لَمْ أَبْرَحْ. أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَتِي ذَخَرْتُ كَلاَمَ فِيهِ". (10:23-12)
إن ما يعزّي قلوبنا في أيّ وقت عندما تكون أنفسنا في محنة هو أن الله يرى حياتنا بأكملها من البداية إلى النهاية. لقد رتّب لنا مستقبلاً مجيدًا، الأمر الذي قد لا نختبره في كماله ونحن لا نزال هنا على هذه الأرض.
لما كان أيّوب في قلب المحنة، لم يساوره أيّ شك، ولم تنتابه أية ريبة من جهة صلاح الله، بل بالحريّ، استطاع أن يدرك أنه امتياز أن يكون موضوع امتحان الله له "...إذا جرّبني أخرج كالذهب." (10:23) لقد كان أيّوب في حالة خضوع كامل. وقد جعل الربّ أيّوب يزدهر من جديد. "وردّ الرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ لَمَّا صَلَّى لأَجْلِ أَصْحَابِهِ، وَزَادَ الرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لأَيُّوبَ ضِعْفًا". (10:42) لقد ضاعف قطعان مواشيه وغنمه، ووهبه أولادًا عوضًا عن الذين أخذهم "وَكَانَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ... وَلَمْ تُوجَدْ نِسَاءٌ جَمِيلاَتٌ كَبَنَاتِ أَيُّوبَ فِي كُلِّ الأَرْضِ..." (13:42-15) وجاء إليه كلّ إخوته وكلّ أخواته وكلّ معارفه من قبل، ورثوا له وعزّوه... وأعطوه هدايا قيِّمة. وعاش بعد ذلك أيوب بصحة جيّدة عمرًا مديدًا ورأى بني بنيه. "ثم مات أيوب شيخًا وشبعان الأيام". (10:42-17) إذًا، مهما كانت التجارب التي نمرّ بها، وكيفما كان الألم الذي يعتصرنا وكأننا قد انكسرنا وتحطّمنا، فإن الله يذخر نهاية صالحة لنا أيضًا. وفترة الضيق الذي نجتاز فيه ليست هي النهاية، وإنما هي معبر أو ممرّ يؤدّي بنا إلى بداية جديدة أكثر روعة وجمالًا. "وأيضًا يقودك (الربّ) من وجه الضِّيق إلى رحبٍ لا حصر فيه، ويملأ مؤونة مائدتك دُهنًا". (16:36) نعم. إن الله يعلم. إن الله يُحِبّ.

الله يعمل ويتصرّف دائمًا بدافع محبّته
إن محبّة الله هي دائمًا الدافع وراء كلّ ما يعمله الله في حياتنا، وكلّ ما يسمح به لنا من ألم أو ضيق. فالله – تبارك اسمه - عندما يسمح لنا بأن ننكسر لا يفعل ذلك من منطلق عدم الرأفة ولا لأنّه غاضب أو ساخط علينا – حاشا لله! إنه الله الكلّي المحبّة وأبو الرأفة وإله كلّ تعزية. إنه يرى ويعرف قوّة احتمالنا، ويعطي مع التجربة المنفذ لكي نستطيع أن نحتمل. وهو يفعل ما يفعله بقصد علاجنا من ضعفات معيّنة، ويريد أن ينقّينا، ويستخرج أفضل ما لدينا، وفي الوقت ذاته يرغب أن نختبر كمال محبّته، وحكمته، وقدرته، وصلاحه. إنه يرغب من كلّ قلبه أن تربطنا به علاقة حبّ حميمة، ومن خلال التجربة يمهّد السبيل للبركة. لا شيء مثل الألم وإذلال الجسد يقدر أن ينقّي الحياة من النقائص والعيوب والضعفات والفتور الروحي. "فَإِذْ قَدْ تَأَلَّمَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا بِالْجَسَدِ، تَسَلَّحُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهذِهِ النِّيَّةِ. فَإِنَّ مَنْ تَأَلَّمَ فِي الْجَسَدِ، كُفَّ عَنِ الْخَطِيَّةِ، لِكَيْ لاَ يَعِيشَ أَيْضًا الزَّمَانَ الْبَاقِيَ فِي الْجَسَدِ، لِشَهَوَاتِ النَّاسِ، بَلْ لإِرَادَةِ اللهِ. لأَنَّ زَمَانَ الْحَيَاةِ الَّذِي مَضَى يَكْفِينَا لِنَكُونَ قَدْ عَمِلْنَا إِرَادَةَ الأُمَمِ، سَالِكِينَ فِي الدَّعَارَةِ وَالشَّهَوَاتِ، وَإِدْمَانِ الْخَمْرِ، وَالْبَطَرِ، وَالْمُنَادَمَاتِ، وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ الْمُحَرَّمَةِ". (1بطرس 1:4-3)
إذا ساد الضعف الروحي على الحياة يرتدّ بالمؤمن إلى الخطيّة والسقوط فيها من جديد "لِمَاذَا يَا ابْنَ الْمَلِكِ أَنْتَ ضَعِيفٌ هكَذَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَى صَبَاحٍ؟ أَمَا تُخْبِرُنِي؟» فَقَالَ لَهُ أَمْنُونُ: «إِنِّي أُحِبُّ ثَامَارَ أُخْتَ أَبْشَالُومَ أَخِي»". (2صموئيل 4:13)
والفتور الروحي يجعل المؤمن عرضة لأن يتقيّأه الربّ من فمه. "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا! هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي." (رؤيا 15:3-16) وإذ نتخلّص من الضعف الروحي والفتور الروحي نكون قد تخلّصنا من العائق الذي يعيق الشركة الحميمة مع الله والذي يتوق أن يستخدمنا في خدمةٍ مجيدة ومؤثّرة ويرسلنا في إرساليّة غير عاديّة لخدمة اسم مجده.
لذلك فإن محبّة الله تضطرّه – إن جاز القول – لأن يؤدّبنا ويُهذّبنا حتى تتنقّى حياتنا وتصلح لإتمام مقاصده الإلهيّة في هذا العالم.

المجموعة: آب (أغسطس) 2025

logo

دورة مجانية للدروس بالمراسلة

فرصة نادرة تمكنك من دراسة حياة السيد المسيح، ودراسة حياة ورسائل بولس الرسول. عندما تنتهي من هاتين الدراستين تكون قد أكملت دراسة معظم أسفار العهد الجديد. تتألف كل سلسلة من ثلاثين درسًا. تُمنح في نهاية كل منها شهادة خاصة. للمباشرة بالدراسة، أضغط على خانة الاشتراك واملأ البيانات. 

صوت الكرازة بالإنجيل

Voice of Preaching the Gospel
PO Box 15013
Colorado Springs, CO 80935
Email: hope@vopg.com
Fax & Tel: (719) 574-6075

عدد الزوار حاليا

61 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

إحصاءات

عدد الزيارات
14021545