من ذكريات العيش في الشّرق الأوسط "تعزيلة العيد"، وهي حملة التّرتيب والنّظافة مع اقتراب الأعياد،
وتنطوي على التخلّص من الأشياء غير الضّرورية، وتنظيف البيت وتجميله. يطال التّنظيف ما لا يُفعَل يوميًّا مثل غسل السجّاد والبرادي، وإجراء إصلاحاتٍ في المنزل مثل بعض الدهان إضافةً إلى تجميله بالزّينة المناسبة. والسبب هو توقّع زيارة الأقارب والأصدقاء الذين لم يدخلوا البيت ربّما منذ شهور، وواجب تهيئته لكي "يبيّض الوجه."
ملَكَ شابٌّ على شعب الله في العهد القديم اسمه يوشيّا، واتّبع "تعزيلة العيد" قبل الاحتفال. أجرى عمليّة تنظيفاتٍ رئيسيّة تضمّنت التخلّص من الأوثان التي كانت في بيت الربّ وحوله، وتحطيم المذابح التي بناها جدّه منسّى للآلهة، والتّشديد على التمسّك بكلمة الله والتعهّد بطاعتها، وبعد ذلك احتفل مع الشعب بعيدٍ لم يكن له نظير.
ما هي حملة التّنظيف والتّرتيب التي نودّ إجراءها في حياتنا قبل الأعياد؟
1- التخلّص من الماضيات
كان شاول متفوّقًا في نظر الناس، يتقن عدّة لغات، وبلغة يومنا هو اللاعب الأهمّ في الفريق، وصاحب الميداليّات الذهبيّة في الألعاب الأولمبيّة، وصورته على الصفحة الأولى من المجلّات الرئيسية، ويظهر في جميع المحطّات الفضائيّة. ولكن تغيّر كلُّ شيءٍ على طريق دمشق حين أنار له الربّ يسوع وسأله، "شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟" (أعمال الرّسل 4:9). سقطت الميداليّات، ووقعت كؤوس الانتصارات، وعميت عينا شاول مثلما كان حال قلبه، أمّا بصيرته فانفتحت، وابتدأ مسيرةً جديدة مع قوله في الآية 6، "يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟" وبعد سنين يشاركنا شاول الذي صار بولس الرّسول في رسالته إلى أهل فيلبّي بما رماه في تعزيلته. فقد رمى اتّكاله على النّسب وما لديه من معرفةٍ وبرٍّ ذاتيّ، بل حسبها جميعها خسارة ونفاية لأنها تعيق مسيرته في الإيمان. وكم من المؤمنين لا ينمون لأنهم لا يتخلّصون من الماضي. عرف يوسف كيف يتقدّم في حياة الإيمان حين غفر إساءة إخوته، وسمّى ابنه الأكبر منسّى وقال، "لأَنَّ اللهَ أَنْسَانِي كُلَّ تَعَبِي وَكُلَّ بَيْتِ أَبِي." (التكوين 51:41) ثم سمّى الابن الثاني أفرايم، أي مثمر. وسنبقى مكاننا إذا لم نسامح، فلا ثمر دون غفران. كتب الرّسول بولس، "وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ." (فيلبي 13:3) قرأت أنّ فعل "أنسى" في هذه الآية مشتقٌّ ممّا استُخدِم في الألعاب الرياضيّة التي كانت أيّام روما. كان العدّاء يجري مع متسابقين آخرين ناظرًا إلى هدفٍ معيّن، وحين يتجاوز لاعبًا آخر فهو يتركه أو "ينساه" لأنه قطع هذه المرحلة وعيناه على نهاية السباق، وليس على ما قطعه حتى الآن. يجب ألّا نلهج دائمًا بانتصارات الماضي فحسب، بعض الناس يروون دائمًا اختبارًا صار عمره عشرون عامًا أو أكثر. أليست الحياة مع المسيح مليئة بالاختبارات؟
2- فرح التوقّعات
أتذكّر تعزيلة العيد ممتزجة بالفرحة رغم أتعابها، فمع الجهد والتنظيف يعبق البيت بروائح الكعك والمعمول وسائر أنواع الضيافة. يبكي بعض الناس على الأطلال باستمرار، ومع الشاعر يقولون، ألا ليت الشباب يعود؟ ومع آخر أصحاحٍ في سفر الجامعة يشكون من أعراض التقدّم في العمر من شيب الرأس نزولاً إلى ضعف النّظر وقلّة السمع، ثم نقص الهمّة وصعوبة الحركة. إذا كانت عيوننا على الأرض فهذه حقيقة لا تُنكَر، ولكن إذا كنّا ناظرين إلى موطننا الأبديّ فكلُّ يومٍ يعبر يقرّبنا من حبيبنا يسوع الذي نشتاق لنبقى معه إلى الأبد. المشكلة أنّنا ننجرف أحيانًا بتيّارات الناس وحساباتهم ومقاييس العظمة لديهم.
زارت مجموعةٌ من السيّاح قرية صغيرة رائعة، ومرّوا بجانب عجوزٍ يجلس قرب سياجٍ. سأله أحدهم بنغمةٍ لا تخلو من التّعالي، "هل وُلد أي من العظماء في هذه القرية؟" أجابه الرجل العجوز الحكيم، "لا، أبدًا، لم يولد فيها إلّا الرضّع." أصاب العجوز، فالعظماء لا يولدون، لا في هذا العالم ولا في ملكوت الله، والنموّ يتطلّب وقتًا وجهدًا.
ونحن على أبواب العيد وعامٍ جديد دعونا نسعى لننمو ناسين الماضي بكل جميله وقبيحه متقدّمين إلى الأمام لأنّنا لا نريد أن نبقى كما نحن، ووسيلة النموّ هي كلمة الله.
سمك القرش هو أحد غرائب الطبيعة. إذا وضعناه في حوضٍ صغير فسيبقى في حجمٍ يناسب الحوض وحتى مع البلوغ الكامل يبقى بحجم 15 سنتيمتر. أما إذا وضعنا سمك القرش في المحيط فسوف ينمو ليصبح مترين ونصف.
نحتاج جميعًا إلى تعزيلة العيد والانطلاق من الحوض الصغير لنسبح في محيط محبة الله وطاعة كلمته المباركة، نامين يومًا فيومًا مع اقتراب مجيئه إلينا، وهكذا نفرح بالعيد بل نفرح بكلّ يومٍ يعطينا الله إياه ونقبله فرصةً جديدةً لخدمته ونشر محبّته بين الناس الذين أحبَّهم وفداهم.


