يختمُ النبيُّ الإنجيليُّ إشعياء الأصحاحَ الثامن من نبوَّتِهِ السابقة لمجيء المسيح بقرونٍ ليست بقليلة؛
يختمُهُ بقولِهِ أنَّ الناظرَ إلى الأرضِ سيرى "شدّةً وظلمةً، قتام الضيق، وَإِلَى الظَّلاَمِ هُمْ (الناس) مَطْرُودُونَ." وكأنّ بالناسَ مطرودونَ إلى الظلام.
لكن لنقلب الصفحة ونذهب إلى الأصحاح التاسع وستجد معي مفارقة عجيبة تبدأ بـ "ولكن"، "ولكن لا يكون ظلامٌ" على نفتالي وعلى جليل الأمم، فالنور العظيم سيُشرقُ على أرضِ ظلال الموت، وسيُبصره السالكونَ في الظلمة، وسوف يعمُّ الفرح ويُكسَرُ النير وكذلك ستُحرَقُ أدوات القتل، وكلُّ هذا سيحدث لأنه سوف يُولدُ لنا ولدٌ.
والآنْ، لقد وُلدَ المسيح، هللويا!
كان إشعياء يكتبُ بروح النبوّة وينظرُ إلى الأمام، أما أنا وأنتَ - أخي القارئ وأختي القارئة - فسننظر إلى الخلف ونتعلّم من هذه المفارقات الميلاديّة ونبني حياتنا:
لقد كانت الظلمةُ تغطّي الأرضَ بسبب عصيان بني آدم، والشوكُ والحسك هما من ثمارها، لدرجة أنَّ الوحي سمّاها أرض ظلالِ الموت، ولكنَّ الربَّ أشرقَ عليها بشمسِ برِّهِ إشراقة سماويّة مختلفة، فالنّورُ الذي يضيءُ في الظلمة حلَّ بيننا ورأينا مجدَهُ مجدًا، وجالَ بنورِهِ يصنعُ خيرًا ويشفي المرضى ويفتحُ العيون ويُطهّرُ القلوب والأجساد ويردُّ الحياة، وهنا أقولُ لنفسي: لا شيءَ يمنعُ إشراقةَ نورِهِ القدوس في حياتنا، ولن تستطيع ظلال موتنا أن تُدركَ نورَهُ فينا، وعلينا أن نطلبَ ونصلّي أنرْ يا ربُّ خفيّات حياتنا وأشرق لقلوبنا إشراقات ميلاديّة جديدة وانتهر الزوايا المظلمة من غرف قلوبنا.
لقد كانت المنطقة التي بُشِّرت أوّلًا بالميلاد هي مجدل عدر قربَ بيت لحم حيثُ سهر الرعاة، وكانت هذه البقعة مصبوغةً بالحزنِ التاريخيّ لأن راحيل المحبوبة ماتت هناك، وما زال عمود قبرها شاهدًا على الحزن (تكوين 19:35)، وكانت أيضًا مصبوغةً بالعار لأنَّ رأوبَين بكر يعقوب دنَّسَ مضجعَ أبيه هناك (22:35) وهنا بالتحديد تقول البشارة: أبشّرُكم بفرحٍ عظيم… يا لهول هذه المفارقة العجيبة فالمكان المصطبغ بالحزن والعار تصل إليهِ الأخبار السارّة أولًا وقبل الجميع، فقد جاء ليرفعنا من عار خطايانا إلى شرفِ ورفعةِ الجلوس معه كأهلِ بيت الله، وليمسح دموعَنا ويثبّت لنا الفرح فتهتف الملائكة في قبّة السماء: وبالنّاس المسرّة.
لقد كانت الفترة الزمنية السابقة للميلاد فترةَ صمتٍ نبويٍّ مُطبق، فلا نبيّ ولا نبوّة ولا سفر يُكتب ولا رسالة تُقرأ لأربعةِ قرون، فهل صمتَ الله وتحوّلَ عن التواصل مع شعبه؟! ولكن، لمّا وصلنا إلى ملء الزمان استنفرت السماءُ وفتحت أبوابها، وجاءت الرسائل الإلهيّة محمولةً بأفواهِ الملائكة لتعوّضَ عن صمتٍ انتهى، فيقفُ جبرائيل عن يمين المذبح ويخاطبُ الكاهنَ البارّ، وكذلك يظهر للعذراء المطوّبة ليُعطيها التكليف المجيد، ويأتي في الحلم للخطيب البار فيبدّد شكوكَهُ ويعطيه إرشادات، وتستخدمُ السماواتُ المفتوحةُ الأفلاكَ والنجومَ لتقودَ الحكماءَ إلى موضع إشراقةِ النور، ومن قبّة السماء التي أُقفِلت لسنين وسنين تطلُّ علينا جوقة ملائكيّة لتُعلنَ الفرحَ والتهليلات، وهنا نتعلّم أنّه مهما مرَّ عليكَ من السنين التي لم تسمع فيها لصوتِ الرب، انتظرهُ الآن واطلبْهُ وأعطِ أُذُنًا وانتظر، ولن يتأخّر عليك لأنَّ ملءَ زمانِكَ قريب.
وفي أزمنةِ الميلاد كانت الظروفُ متباينةً جدًّا، فالنبوّة تقول: يفرحونَ أمامكَ كالفرحِ في الحصاد، والعذراء المباركةُ قالت: "تبتهجُ روحي بالله مخلّصي"، والمجوسُ لما رأوا النجم فرحوا فرحًا عظيمًا جدًا، ولكن في نفس الفترة سادَ ظلمٌ وحزنٌ، فالملك هيرودس أرسل وقتل جميع الصبيان في بيت لحم وتخومها، راحيل تبكي على أولادها ولا تريد أن تتعزّى، وفي هذهِ المفارقة العجيبة ينتصرُ الخلاص، فحينما تمتزج الأفراح التي تقدّمها السماء مع الأحزان التي تقدّمها الأرض ينتصرُ الحبُّ السماويّ؛ فها يوسف يسمع ملاك الرب يقول له: "وتدعو اسمه يسوع. لأنّه يخلّصُ شعبه من خطاياهم." (متى 21:1) ويسمع بأنَّ الشعب سيدعونه "عمانوئيل"، والملاك يُعلنُ: "وُلدَ لكم اليوم مخلّصٌ هو المسيحُ الرب".
ونحن، قد تسيل دموعنا وتغطّي ابتساماتنا لسببٍ أو لآخر، لكن لننظر إلى طفل المذود فهو المخلص، ولنُدرك أن الذي معنا أقوى من الذي علينا، وأنَّ الخلاصَ والفرحَ الذي ابتدأ بالميلاد وفينا أقوى وأثبت من كلّ موقف قاسي ربّما نجوزُ فيه.
وفي أزمنة الميلاد سادَ الصمتُ والسكونُ وليس الضّجيج، فبينَ أنفاسِ خراف بيت لحم التي تُحضَّر لتكون خرافَ الفصح شقَّ صوتُ الحملُ السماوّي سكونَ الحظيرة، واخترقَ الملاكُ سماءَ مجدل عدر الهادئة، وبشّرَ رعاتها بمولد المخلّص، وكذلك صدحَ في قبّةِ بيت لحم صوتُ جمهور الجند السماوي مرنّمًا بسلامنا وخلاصنا، ومن بعيدٍ يقود النجمُ الفارسي ملوكًا برحلة طويلة صامتة، لنراهم بصمت وخشوع وسجود يحتفلون بالملك.
والآن في ذكرى الميلاد، لا يوجد صمت، بل ضجيج وصخب، ومظاهر احتفالية لطالما غيّبَتْ صاحب العيد، دعونا نهدأ ونُهدِّئ أنفسَنا وندرك أن من وُلد بين تلك الخراف وفي مذودِها هو حمل الله الحقيقي، فنحتفل بالسجود والترنّم وإعلان الحب والخلاص، ولا نسمح لصخب الأسواق والمظاهر الخادعة أن تسرقَ روح الميلاد من قلوبنا. ميلاد وخلاص لجميعكم!


