الميلاد: هل وُلد المسيح حقًا في 25 ديسمبر؟
رحلة بين الكهنة والأعياد والرعاة للوصول إلى التاريخ الأقرب للحقيقة.
يسوع خيَّم بيننا، "والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا، ورأينا مجده، مجدًا كما لوحيد من الآب، مملوءًا نعمة وحقًا." (يوحنا 14:1)
كثيرون يظنّون أن تاريخ ميلاد المسيح هو 25 ديسمبر، لكن الكتاب المقدس لم يعطِ يومًا محدّدًا.
بعض الدارسين يرجّحون أن الميلاد كان في الخريف، وقت عيد المظال. وهذا ليس مجرّد تفصيل زمني، بل يحمل رسالة روحيّة عميقة.
في عيد المظال كان شعب إسرائيل يسكن في خيام تذكيرًا برحلة البريّة، حين كان الله يسكن وسطهم في خيمة الاجتماع. وعندما وُلد المسيح، تحقّق الرمز: الله لم يعد في خيمة من خشب وأقمشة، بل صار في خيمة جسد إنسان، ليسكن بيننا وفينا إلى الأبد.
الميلاد هو إعلان بأن الله لم يبقَ بعيدًا في السماء، بل اقترب وشاركنا غربتنا، وجعل نفسه قريبًا من آلامنا وأفراحنا. لذلك قيل عن عيد المظال: إنه "عيد الفرح"، وهكذا أيضًا الميلاد: فرح سماوي نزل إلى الأرض.
واليوم، لا نحتفل بتاريخ، بل بشخص. يسوع هو خيمتنا، ووجوده بيننا هو ضمان أننا لسنا وحدنا. كما قال الوحي في الرؤيا: "هوذا مسكن الله مع النّاس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعبًا، والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم." (رؤيا 3:21)
الجدول الزمني، خدمة زكريا الكاهن من فرقة أبيّا:
"كَانَ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ مَلِكِ الْيَهُودِيَّةِ كَاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيَّا مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا". (لوقا 5:1)
ونقرأ في 1أخبار الأيام 10:24 بأن فرقة أبيّا كان وكالتها وخدمتها للدخول إلى بيت الرب - رقم 8 من بين 24 فرقة للكهنوت. وكانت كلّ فرقة تخدم أسبوعين في السنة، واحد في النصف الأول، والآخر في النصف الثاني.
الاحتمال الأول: خدمة زكريا في النصف الأول (يونيو)
1. حمل أليصابات: بعد خدمة زكريا ورجوعه إلى بيته، حبلت أليصابات (لوقا 23:1-24). هذا يدلّ بأنّ حملها بدأ في يونيو/يوليو.
2. بشارة الملاك لمريم: بعد 6 شهور من حمل أليصابات، بشّر جبرائيل مريم (لوقا 26:1). هذا يضع البشارة وحمل مريم في ديسمبر/يناير.
3. ميلاد يوحنا المعمدان: مدة الحمل الطبيعية: 9 شهور. إذا بدأت أليصابات في يونيو/يوليو، فإن ولادة يوحنا تكون في مارس/أبريل (الربيع).
4. ميلاد يسوع المسيح: المسيح وُلد بعد يوحنا بحوالي 6 شهور (لوقا 36:1). هذا يجعل ميلاد المسيح في سبتمبر/أكتوبر (الخريف، وقت عيد المظال عند اليهود)
الاحتمال الثاني: خدمة زكريا في النصف الثاني (ديسمبر)
1. حمل أليصابات: بعد خدمة زكريا ورجوعه إلى بيته، حبلت أليصابات (لوقا 23:1- 24). هذا يجعل حملها قد بدأ في ديسمبر/ يناير.
2. بشارة الملاك لمريم: بعد 6 شهور من حمل أليصابات، جبرائيل بشّر مريم (لوقا 26:1). هذا يضع البشارة وحمل مريم في يونيو/ يوليو.
3. ميلاد يوحنا المعمدان: مدة الحمل الطبيعية: 9 شهور. إذا بدأت أليصابات في ديسمبر/ يناير، هذا يعني أن يوحنا المعمدان قد وُلد في سبتمبر/أكتوبر.
4. ميلاد يسوع المسيح: وُلد المسيح بعد يوحنا بحوالي 6 شهور (لوقا 36:1). هذا يجعل ميلاد المسيح في مارس/إبريل (الربيع، قرب الفصح).
الخلاصة: لو بدأنا الحسبة من خدمة زكريا في النصف الأول (يونيو)، يكون ميلاد المسيح في الخريف (سبتمبر/أكتوبر). ولو بدأنا من النصف الثاني (ديسمبر)، يكون ميلاد المسيح في الربيع (مارس/أبريل).
شهادة الرعاة - يضيف لوقا تفصيلًا مهمًا:
"وكان في تلك الكورة رعاة متبدّين يحرسون حراسات الليل على رعيّتهم." (لوقا 8:2)
إن وجود الرعاة مع قطعانهم في الحقول ليلًا يشير إلى وقت دافئ نسبيًّا، إذ أن الشتاء البارد في ديسمبر لم يكن يسمح بخروج القطعان. يشهد التلمود أن القطعان عادة تُدخَل إلى الحظائر من منتصف أكتوبر وحتى الربيع بسبب المطر والبرد. وهذا يجعل الخريف (سبتمبر/أكتوبر) أكثر انسجامًا مع رواية الميلاد.
لماذا إذًا 25 ديسمبر؟
لم يذكر العهد الجديد تاريخًا محدّدًا لميلاد المسيح. لكن في القرن الرابع الميلادي اعتمدت الكنيسة الغربية وعيد ساتورنتليا (Sol Invictus) 25 ديسمبر ليكون عيد الميلاد، ليتزامن مع عيد الشمس التي لا تقهر. وكانت هذه وسيلة لتقديم بديل مسيحي للأعياد الوثنية، بحيث يلتفّ المؤمنون حول ميلاد المسيح بدلًا من الاحتفالات الشمسيّة.


