نتابعُ تأمُّلَنا بالمزمور 103 الذي نجد فيه سبعَ بركاتٍ روحيّةٍ
يريدُ الله أن يمنحَكَ إيّاها. وذكرْنا منها أولًا: يحميكَ من مرض النسيان. ونكمِلُ ما بدأناه عن البركة الثانية ألا وهي: يمنحكَ نعمة الغفران:
يذكّرنا الرسول في الرسالة إلى رومية: "إذ الجميع أخطأوا وأعوزَهم مجدُ الله" (23:3). فمَن منّا ليستْ لديه خطيّة؟ انتبِه، لن تقدرَ أن تغطِّي خطاياك مهما حاولْتَ إحاطتَها بالسرّيَّة التامّة، إذ لا بدَّ أن تنكشفَ يومًا ما. لكنَّه يقدر أن يغفرَها لأجل نعمته على الصليب. يؤثِّر هذا العدد فيَّ كثيرًا، يقول: "لم يصنعْ معنا حسَب خطايانا، ولم يجازِنا حسبَ آثامنا. لأنَّه مثلُ ارتفاعِ السماوات فوقَ الأرض قويَتْ رحمتُه على خائفيه. كَبُعْد المشرِق من المغرب أبعدَ عنا معاصينا." (10-12) يقول: "مثلُ ارتفاع السماوات فوق الأرض." تُرى كم يبلغُ عددُ النجوم في هذا الكون الفسيح؟ لنأخذ مجرَّتنا نحن Milky Way إنَّها تحوي على 350 مليار نجم. وهناك أكثر من 1000 مليار من المجرَّات، فالعددُ كبيرٌ جدًّا. أمَّا أقربُ النجوم فيها إلينا فهي ألفا سنتوري Alpha Centauri. وحين كنت أُدرّس ابني سامي طلبنا مساعدة غوغل لنفهم ما هي المسافة التي تفصل بيننا وبين هذه النجمة القريبة. فإذا بنا نفاجأُ بأنَّ المسافة هي 27000 بليون ميل - هذا مع أنَّ فيروز تغني نحن والقمر جيران! لقد ظننَّا أنَّ ألفا سنتوري هي جارتنا! لكن لا. مع ذلك فإنه يقول: "مثلُ ارتفاع السماوات فوق الأرض قويت رحمتُه على خائفيه." هكذا الربّ حين تأتي إليه بتوبةٍ صادقة هناك رحمتُه الـلامحدودة تنسكبُ عليك ويرفع خطاياك عنك. فهل ترجع إليه؟
كتب جون نيوتن الترنيمة الرائعة Amazing Grace وبالعربية "ما أعجبَ النعمةَ لي، من قلبك الكبير- من بعدما ذقتُ العمى، ها إنَّني بصير". كتبها بعد أن غيَّر الرب حياته، وخلَّصه ووُلد ولادةً جديدة، وعرف نفسه خاطئًا مثلَ كلّ إنسان يأتي إليه. وحين زرتُ إنكلترا ذهبت خصّيصًا إلى حيثُ كان بيتُه في بلدة (Onley) فوجدتُ عدّة ترانيم مكتوبةٍ على الحائط، بالإضافة إلى كلماتٍ بخط يده هو تقول: "أنا متقدّم في السنّ. يسألني الناس: أتنسى؟ أقول طبعًا أنسى. لكنْ، هناك شيئان لن أنساهُما البتّة: أولًا، أنني إنسان خاطئ والثاني، أنَّ الربّ غفر خطاياي إذ مات من أجلي على الصليب وسأكون معه في الأبدية." بالحق ما أعظمَ محبّةَ الله للنفوس وما أعجبَ نعمتَه للذين يأتون إليه. "قد محوتُ كغيمٍ ذنوبَك وكسحابةٍ خطاياك" (إشعياء 22:44).
كان أندرو جاكسون Andrew Jackson، الرئيسَ السابع لأميركا من العام 1829-1837. وقبلَ انتهاء مدة حكمه كان يحقُّ للرئيس إصدارُ عفوٍ عن أشخاص مجرمين محكومٍ عليهم بالإعدام ومنْحُهم فرصةً ثانية في الحياة، أما الآن فالرؤساء يُصدرون العفوَ لِمَن يعرفونهم وتربطهم بهم علاقة حزبيّة. وكان العفوُ قد نال من شخصٍ شرير اسمُه جورج ولسون. لكنَّ هذا الأخير رفض القرار وقال: لا أريد هذا العفو، إنَّه يتحدَّاني. رُفعت القضية بعدها إلى المحكمة العليا، فحكمتْ بأنَّ من حقّه أن يرفضَ العفو، ولن يسريَ مفعولُ العفو إلَّا إذا وافق عليه الشخصُ المَعنيّ. لذا فقد تمَّ تنفيذُ حكم الإعدام فيه. قد يقول قائل: يا غبيّ قد أتاكَ قرارُ العفو عنك من الرئيس نفسه فكيف تستخفُّ به؟! هكذا الناسُ أيضًا أحبائي، يستخفّون بالقرار العام الذي خرج من خلال دم الربّ يسوع المسيح، ويستبيحون بالنعمة العظيمة المجانيّة المقدَّمة لهم. لكنْ لا ينفعُ الندم بعد العدم والموت.
3- الذي يشفي النفس والكيان
أجل، "الذي يشفي كلَّ أمراضك". وهنا يتكلّم عن النفس أيضًا. فالرب يقدر أن يشفي أمراضَ الجسد والنفس والروح أي كلّ الكيان. صحيح أنَّ الرب يغفر خطايانا لكنْ هناك أمراضٌ نفسيّة فينا هي أيضًا بحاجة إلى علاج ويستمرّ هذا العلاج طوال الحياة. لهذا فالرب يبقى يجدِّد فينا ويغيّرنا حتى نصيرَ مشابهين صورةَ ابنه يسوع. فالكثيرُ منا نحنُ الشرقيّين يأتي من البيئة التي ترعرعْنا فيها في بلادنا، وكأنَّ تلك البيئة كانت تغذّي فينا بعضَ العادات وحتى الأمراض. خذ الرّياء مثلًا! حين تأتي إلى الغرب تجد أنَّ الناس بسطاء، وما يقولونه هو واضح وظاهرٌ على وجوههم. أمَّا نحن فنهتمّ كثيرًا بالمظاهر. هناك أشياءُ أخرى كالمبالغة في الكلام، أو الاحتيال، أو الطرق المعوجّة، أو الكذبة البيضاء، أو العتَب الزائد، أو ظنّ السوء، أو عدم الغفران أو الحقد. طبعًا هذه هي خطايا بالنهاية لكنَّها جزءٌ من الواقع الاجتماعي النفسي الذي نشأنا فيه. ثم ماذا عن التعصّب الأعمى الطائفي أو العائلي المؤدّي إلى الحقد والعداوات التي ربَّما تستمرّ لسنين طويلة! لكنَّ الرب قادر أن يغيّرك ويشفيكَ منها. يقول الربّ يسوع: "روحُ الربِّ عليَّ، لأنَّه مسَحني لأبشِّر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسلَ المنسحقين في الحريّة" (لوقا 18:4). وأيضًا: "يسوع الذي من الناصرة كيف مسحَه الله بالروح القدس والقوّة، الذي جالَ يصنع خيرًا ويشفي جميعَ المتسلِّط عليهم إبليس، لأنَّ الله كان معه" (أعمال الرسل 38:10). وفي سفر هوشع يقول:" أنا أشفي ارتدادَهم" (4:14). نعم، ما أحلى أن يغيِّر الرب فيك.
يُقال عن الواعظ القدير توني كامبولو Tony Campbolo بأنَّ امرأةً أتت إليه بِصُحبة زوجِها في نهاية الاجتماع، وطلبتْ منه أن يصلّي معه لكي يُشفى. وحين سألها ما به؟ قالت يعاني من سرطان منتشر في كلِّ جسده. فتوجَّه توني نحوه وسأله: هل قبلتَ الربّ يسوع؟ قال: لا. زوجتي مؤمنة. عاد وسأله: هل تحبّ أن نصلي معًا؟ فوافق. فصلّى معه من أجل خلاص نفسه ونواله الحياةَ الأبدية. وبعد مضي 3 أشهر اتصلت الزوجة بالواعظ توني لتخبرَه بأنَّ زوجَها قد توفي. فتأثَّر وحاول تعزيتَها. لكنَّها سرعانَ ما قالت له: "لقد عزَّاني الرب بهذا الرجاء الأكيد. بعد ما صلّى زوجي معك وطلب خلاصه، تغيّرت حياته. صار حنونًا وشاكرًا ولم يعدْ يغضب. وجدتُ فيه أجملَ الأشياء بعد أن اختبر الشفاء الروحي." أجل، هذا هو الأهمّ شفاء الروح قبل الجسد. فكلُّ واحد منا سيواجه جسدُه الموت يومًا ما، وسيُدفن تحتَ التراب، وسيعطينا الربّ جسدًا جديدًا مُقامًا. أمَّا الروح فمَن يشفيها غيرُ الرب؟ لذا فمن المهمّ أن تنالَ الشفاءَ الروحي حينما تطلب الربّ مخلِّصًا وسيِّدًا.
رابعًا: يفديكَ من حفرة الهوان
الذي يفدي من الحفرة حياتك. إيه! كم من الحُفَر وضعَها عدوُّ النفوس في حياتك! وكم من الفِخاخ نصبهَا لك. يقول صاحب المزمور: "يا ربُّ، أصعدْتَ من الهاوية نفسي. أحييْتَني من بين الهابطينَ في الجُبّ" (3:30). كنت أتكلّم مؤخّرًا مع الأطبّاء الشباب العاملين في خدمة HOME في لبنان بعدَ هذه الظروف الصعبة، وأخبرتهُم بأنَّنا نصلّي كلَّ يوم من أجلهم ومن أجل سلامتِهم. قلتُ لهم: في أيام الحرب حين كنّا هناك، كنا نفتش عن الأبنية التي فيها ملاجئ تحت الأرض لنختبئَ فيها من جرَّاء القصف المجنون. لكن في هذه الأيام حتى الملاجئ لم تعدْ آمنة. فالقصفُ أصبح ينال منها لتصبحَ أنقاضًا. وكمْ منَ الناس دُفنت تحتَ الأنقاض والرُّكام نتيجةً لهذه الحروب الشَّرسة. القصفُ في بلادنا يطالُ العديدَ من الأماكن، والتوحُّش الفظيع الذي نراه حاصلًا، والأطفال إن كان في غزّة أو لبنان نراهم يُسْحَبون من بينِ الرَّدم. لكنَّ الربَّ يريد أن يرفعَكَ وينتشلَك من الحفرة التي أنتَ فيها. ليس فقط حفرةُ الهوان بل من حفرة الموت ليعودَ ويُحييكَ مثلَما قال للِّص على الصليب: "إنَّك اليوم تكونُ معي في الفردوس" (لوقا 43:23). أما المرنم فينشدُ: "انتظارًا انتظرت الربّ، فمالَ إليَّ وسمع صراخي، وأصعدَني من جبِّ الهلاك، من طين الحمأة، وأقامَ على صخرةٍ رجليَّ. ثبَّت خطواتي، وجعَل في فمي ترنيمةً جديدة، تسبيحةً لإلهنا. كثيرون يَرَوْن ويخافون ويتوكَّلون على الرب" (مزمور 1:40-3). تعال إليه واطلبه، إنه يناديك باسمك ويدعوك إليه، فهل تلبّي النداء؟(يتبع)


