العالم المعاصر هو عالم وثنيّ، وكلّ الفرق بين وثنيّة هذا القرن ووثنيّة القرون القديمة
هو أن الإنسان كان يتعبّد فيما مضى للأصنام التي يصنعها بيديه، ويسجد للحجر، ويقدّس الشجر، أما إنسان هذا القرن فهو يتعبّد لنفسه، ويسجد لملذّاته، ويقدّس شهواته.
إنسان هذا القرن وثنيّ لأنّه أنكر وجود الله وأصبح هو وحده غاية الوجود، والذي ينكر وجود الله هو "جاهل" "قال الجاهل في قلبه ليس إله". (مزمور 1:14) وما هي نتيجة إنكار وجود الله؟ "فسدوا ورجسوا بأفعالهم. ليس من يعمل صلاحًا". (1:14)
فالإلحاد والفساد صنوان لا يفترقان، ذلك لأن الله هو الذي يعطي "الاتزان النفسي والروحي والعقلي" للإنسان، فإذا ابتعد الإنسان عن الله فقدَ اتّزانه وسار يضرب في صحراء الأوهام.
وعالم اليوم فقد اتّزانه، فأصبح عالَمًا يسوده الفساد وينخر فيه سوس الدمار، من الناحية الأدبية والروحية والاجتماعية تَدهورَ العالم المسكين، والسؤال الآن: كيف يمكن للمسيحي المتجدّد أن يحتفظ بعقليّة روحية في هذا العالم الوثني؟!
أولاً: كنْ قريبًا من كلمة الله
في المزمور الأول نقرأ الكلمات: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ. لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا. فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ، الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ، وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ. وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ." (مزمور 1:1-3) وفي المزمور 11:119 نقرأ: "خَبَأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ." وقديمًا قال الربّ ليشوع: "لاَ يَبْرَحْ سِفْرُ هذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ فَمِكَ، بَلْ تَلْهَجُ فِيهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، لِكَيْ تَتَحَفَّظَ لِلْعَمَلِ حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ. لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تُصْلِحُ طَرِيقَكَ وَحِينَئِذٍ تُفْلِحُ." (يشوع 8:1)
إن ضمير الإنسان كالساعة، والساعة قد تقدِّم أو تؤخِّر بحسب الخلل الذي يطرأ عليها، لكنّ الكتاب المقدّس هو الساعة العامة الذي تضبط عليه كلّ خلل يطرأ على ساعاتنا.
فلكي تحتفظ بعقليّة روحيّة في عالم وثنيّ امْلَأْ عقلك وقلبك بآيات الكتاب، ادرس الكتاب، افهم الكتاب، أطِع الكتاب، تلذَّذ بالكتاب. قلْ مع إرميا: "وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي". (إرميا 16:15) لأن "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ. لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ." (2تيموثاوس 16:3-17)
إن عالم اليوم تسيطر عليه قوى شريرة كثيرة في مختلف بقاع الأرض، والشيطان يحاول أن يفسد ذهنك، فاقترب إلى فكر الله بمعرفتك لكلمته، واذكر كلمات بولس القائلة: "وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ." (2كورنثوس 3:11)
ثانيًا: أن يكون لك دائمًا فكر المسيح
كتب بولس للقديسين في كورنثوس قائلًا: "وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ." (1كورنثوس 16:2)
وكتب للقديسين في فيلبي قائلًا: "فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ." (فيلبي 5:2-8)
فهل عرفت فكر المسيح؟ فكر إنكار الذات... فكر التواضع... فكر الطاعة... فكر التضحية حتى الموت موت الصليب... إن فكر المسيح يختلف عن فكر العالم الوثني الذي يبحث كلّ فرد فيه عن مصالحه الذاتية، الذي أصبح الإنسان فيه هو "إله" نفسه. فإذا أردت أن تحتفظ بعقليّة روحيّة في عالم وثني فليكن لك فكر المسيح.
عاشت أخت قديسة كان تخدم الربّ بأمانة، تزور البيوت، وتفتقد النفوس، وتكلّم النساء عن الرب... مرضت فلم يسأل عنها أحد، جاءها الشيطان يقول: هؤلاء الناس لا يستحقّون الخدمة. إن الجحود (إنكار الحق مع العلم به) بعض كيانهم... لا تعودي إلى خدمتهم بعد... ولكنها لما صلّت كلّمها الربّ وقال لها: هل ضربوكِ على وجهك؟ هل كلّلوا رأسك بإكليل الشوك؟ هل سمّروك بالمسامير على الصليب؟ هل استهزأوا بك وأنت معلّقة بين السماء والأرض؟ فلما امتلأت بفكر المسيح عادت إلى خدمتها بنشاط ولم تعبأ بإهمال الناس لها. "فَتَفَكَّرُوا فِي الَّذِي احْتَمَلَ مِنَ الْخُطَاةِ مُقَاوَمَةً لِنَفْسِهِ مِثْلَ هذِهِ لِئَلَّا تَكِلُّوا وَتَخُورُوا فِي نُفُوسِكُمْ". (عبرانيين 3:12)
ثالثًا: أن تستأسر كلّ فكر لطاعة المسيح
كتب بولس للكورنثيين قائلًا: "إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ. هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ." (2كورنثوس 4:10-5)
فاهدم كلّ ظنّ يدفعك إلى الشكّ في الكتاب المقدس، اهدمْ كلّ ظنّ يدفعك إلى الشكّ في وجود الله، واهدم كلّ علوٍ يرتفع ضدّ معرفته، واستأسر كلّ فكرٍ إلى طاعة المسيح.
وكلمة "استأسر" من الأسر، فيجب أن تجعل أفكارك "أسرى" للمسيح فيسود المسيح على فكرك، هكذا تكون لك العقليّة الروحيّة في عالم وثني.
لا تقرأ شيئًا يلوّث أفكارك بالنجاسات، أو يزعزع إيمانك بالله، أو يقودك إلى الانحراف... استأسِرْ فكرك لطاعة المسيح.
رابعًا: أن تملأ عقلك بالأفكار الإيجابيّة
هذا ما كتبه بولس لأهل فيلبي: "أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا." (فيلبي 8:4)
وإذا ملأت عقلك بالحقّ فلن يوجد فيه مكان للباطل، وإذا ملأت عقلك بكلّ ما هو عادل فلن يوجد فيه مكان للظلم، وإذا ملأت عقلك بكلّ ما هو طاهر فلن يوجد فيه مكان للنجاسة، وإذا ملأته بكلّ ما هو مسرّ فلن يوجد فيه مكان لما هو محزن... إنّك إن ملأت عقلك بالأفكار الإيجابيّة خلا من الأفكار السلبيّة. الإيجابيات بناءٌ، والسلبيّات هدْمٌ.
فلكي تحتفظ بعقليّة روحيّة في عالمٍ وثنيّ سِرْ فيما ذكرنا من خطوات وعندئذ ستهتف مع بولس الرسول: "أما نحن فلنا فكر المسيح."


