
قرأتُ مؤخّرًا عن روبرت تود لينكولن الابن البكر للرئيس إبراهام لنكولن بأنَّه عاش
في حياته كلِّها في ظلِّ والده الرئيس الأمريكي المحبوب. حتى بعدَ موتِ أبيه، بقيتْ هويَّةُ روبرت الابن مخفيّةً أو غيرَ ظاهرة بسبب استمراريّة حضور أبيهِ الساحق. وكتبَ عن ذلك أعزُّ أصدقائه نيكولاس ميوري باتلار يقول عنه بأنَّ روبرت كان يردِّد دائمًا ويقول بأنَّ لا أحدَ يريدني أنا لشخصي سفيرًا لإنكلترا، فلقد أسموني ابنَ الرئيس إبراهام لنكولن. لم يطلبْني أحدٌ لأن أصبحَ رئيسًا لشركة بولمان، بل طلبوا ابن إبراهام لنكولن الرئيس. مع أَّنَّ روبرت كان محاميًا ورجلَ أعمالٍ معروفًا وخدمَ بلاده فيما بعد كوزيرٍ للدفاع ما بين العام 1881-1885 وأصبح سفيرًا للولايات المتحدة في إنكلترا من العام 1889-1893. إلَّا أنَّه بقيَ يُعرَفُ بابن الرئيس لنكولن. وظلَّ ظلُّ والده يلاحقُه إلى آخر ِحياته مع أنَّه كان الابنَ البكر والوحيد الذي عاش بعد وفاةِ إخوته الثلاثة الذين قضَوْا قبل أن يُكمِلوا الثامنةَ عشرةَ من عُمرهم وكَذا بعدَ وفاة والديه.
ترى هل يقتصرُ العيشُ في الظِّل على أولادِ الملوك والرؤساء والمشاهير؟ أم أنَّها تجربةٌ لمشاعرِ خيبةِ أملٍ تداهمُنا جميعًا حين لا يقدِّرُنا الناس لِمَنْ نحنُ أي لشخصنا! فيقولون مثلًا: هذا الشاب ابن التاجر فلان، هذه الفتاة ابنة الطبيبة المعروفة في الحيّ. أو آباء هؤلاء الأولاد يملكون عقاراتٍ وأبنية أو شركاتٍ معروفة ومشهورة. ومهما تعلّموا وحصَلوا على شهادات فَهُم ليسوا بنقطةٍ في بحرِ والديْهِم. وبناءً على هذه التعاريف المتداوَلَة يفقدُ المرءُ هويَّتَه الفرديّة كشخصٍ فريدٍ ومميَّز عن الآخر ويبقى تابعًا ويعيشُ كالظِّلّ الملازِم لآخرين فإمَّا أن يَتكنىَّ بأهله أو إخوته أو حتى أقربائه. ومهما تعبَ وحصَّل فسيبقى كذلك بالرَّغم عنه.
حين قرأتُ قصة روبرت لنكولن هذه أتتْ على فكري كلماتُ الترنيمة الإنكليزية التي قمتُ بترجمتها تحت عنوان "مَنْ أنا؟" لفريق Casting Crowns حين يكتشفُ المرنم هويَّتَه الضائعة وقيمتَه الحقيقيّة فيعترفُ بذلك عن طريق كلماتٍ صادرة من القلب مخاطبًا المصدرَ الذي أرجَع إليه هذه الهوية وقيمتَه الثمينة فقال بما معناه:
"من أنا؟ حتى إنّ سيِّدَ الأرضِ كلِّها يهتمُّ بأن يعرفَ اسمي ويشعرَ مع ما يجيشُ في قلبي من أذىً ومشاعر؟
مَن أنا حتى إنَّ كوكبَ الصبحِ المنير يختارُ أن يُضيءَ الطريقَ أمامَ قلبيَ الحائِر؟
هذا ليسَ بسببِ مَن أنا، كلَّا بل بسببِ ما فعلتَهُ أنتَ! وليس بسببِ ما قمتُ بهِ أنا، لكن بسببِ مَنْ هو أنتَ!
* * *
أنا لستُ إلَّا زهرةً سُرعان ما تتلاشى، اليومَ هنا، وتذوي غدًا، أنا موجةٌ في هذا البحر الواسع، أنا بخارٌ يظهَرُ قليلًا ثم يضمحلُّ في الريح.
مع ذلك، فأنتَ لا تزالُ تسمعُني حين أدعوكَ يا ربّ، وتتلقّفني قبلَ أن أسقطَ، وتقول لي مَن أنا: أنتَ لي! أنَت لي!
مَن أنا حتى إنَّ العينَيْنِ اللَّتيْنِ ترَيان خطيّتي، تنظُران إليَّ بنظرةِ الحبِّ الغامِر؟ وترقُبانَني كيما أعودَ وأنهضَ من جديد! مَن أنا حتَّى إن الصّوت الذي هدَّأ البحر، هو نفسُه يناديني خلالَ المطر، فيهدِّئُ العاصفةَ الثائرة في داخلي؟
ليس بسبَبِ مَن أنا، ولكن بسببِ ما فعلْتَه أنتَ لأجلي. لا ليسَ بسبَب ما فعلْتُه أنا، لكن بسببِ مَن هو أنتَ! لذا فلن أخاف. لا لن أخاف. أنا لكَ أنا لكَ."
الكاتبان Pip Williams & Peter Hutchings
نعم، إنه سيِّدُ الأرضِ كلِّها، وخالقُ هذا الكونِ الشاسع الواسع الأرجاء، الكلمة الذي كانَ من البدء عند الله، الذي به كانَ كلُّ شيء وبغيرِه لم يكنْ شيءٌ ممَّا كان، يهتمُّ بكلِّ فردٍ بالكبير كما بالصغير، حتى إنَّه يناديهِ باسمه... ألم تقلْ كلمةُ الرب على فم النبي إشعياء هذه الكلمات الجميلة: "لا تخفْ لأنِّي فديتُكَ. دعوتُكَ باسمِك. أنتَ لي؟" (1:43) وأيضًا على لسان النبي داود: "يا ربُّ، قدِ اختبرْتَني وعرَفْتَني. أنتَ عرفتَ جلوسي وقيامي. فهِمتَ فكري من بعيد... عجيبةٌ هذه المعرفة، فوقي ارتفعَتْ، لا أستطيعُها... أنتَ اقتنيْتَ كُلْيَتَيَّ. نسجْتني في بطنِ أمّي. أحمدُكَ من أجل أنِّي قدِ امتزْتُ عجبًا." (مزمور 1:139-2 و6 و13-14)
إن كوكبُ الصبح المنير نفسُه قد اختار أن يتركَ مجده و"أخلى نفسَه، آخِذًا صورةَ عبدٍ، صائرًا في شبهِ الناس." (فيلبي 7:2) لقد أتى إلى عالمنا المتعَب والمنهَك والضَّائع، لِيَرُدَّ كلَّ إنسانٍ إليه، ويضيء بنوره الطريقَ أمامَ كلِّ قلبٍ حائر ويَهدي كلَّ نفسٍ تصرخُ إليه لأنَّها أضاعتْ هويَّتهَا وسطَ الزّحام. ألم يقلْ عن نفسه: "أنا هو نورُ العالم. مَن يتبعُني فلا يمشي في الظلمة بل يكونُ له نورُ الحياة"؟ (يوحنا 12:8) وهو ينادي الفردُ منّا حينَ يرى الأفرادَ أمامَ عينيه يرحَلون عنه واحدًا في إثرِ واحد ليقول: ما حياتي سوى بخارٍ يظهرُ قليلًا ثم يضمحلُّ؛ تمامًا مثلَما قال المرنم آنفًا: "ما أنا إلّا وردةٌ مزهرةٌ اليومَ هنا، وغدًا لا، لأنَّها سرعانَ ما تذبُل وتذوي. فمَن يسمعُ صوتَه يا تُرى سوى نفسِه راعي الخراف العظيم! وحدَه يسمع صوتَ استغاثةِ الخروف لأنَّه وحدَه بذلَ نفسَه عن الخراف. فيمدُّ يدَه وينتشلُه من ضياعه ويضعُه على مِنكَبيْهِ ويعودُ به فرِحًا إلى الحظيرة ولسانُ حاله: "قد وجدْتُ خروفيَ الضال".
نعم مَن أنا حتى ينظُرَ إليَّ بنظرةِ الحبِّ العميم على الرغم من خطيَّتي؟ أليس هو وحده الذي قال: "لم آتِ لأدعو أبرارًا بل خطاةً إلى التوبة!" (لوقا 32:5) وأظهر محبّته كما نقرأ: "لكنَّ الله بيَّن محبَّتَه لنا، لأنّه ونحن بعدُ خطاة مات المسيح لأجلنا." (رومية 8:5) نعم، فصوتُ الحنان والرحمة هذا يهدِّئ العاصفة الثائرة في داخل كلِّ مَن يطلبه، ويبعث السلام والطمأنينة فيه. ألم يقلْ أيضًا: "سلامًا أتركُ لكم سلامي أعطيكم. ليس كما يعطيكم العالم أعطيكم أنا". (يوحنا 27:14)
نعم مَن أنا؟ حتى غمرَني بهذا الحب العجيب إذ قال لي: "ليس لأحد ٍحبٌّ أعظم من هذا: أن يضعَ أحدٌ نفسَه لأجل أحبّائه." (يوحنا 13:15) ليس هذا فحسب بل قال عني بأنِّي صرتُ من أحبائه! "لا أعودُ أسمّيكم عبيدًا... لكنِّي قد سمَّيتكم أحباء..." (يوحنا 15:15) فمَن أنا حتى يسمّيني أحدَ أحبّائه! مَن أنا لأحظى بهذا الاهتمامِ الرفيع من الربِّ القدير صاحبِ السلطانِ الكبير؟
حقًّا لقد أدركتُ الآن أنَّ قيمتي الحقيقيّة ليستْ هي في ذاتي وشخصي أنا تابع المرنّم ليقول. بل هو الذي منحَني هذه القيمة لذاتي، ورفَّعني "وأجلَسني مع أشراف شعبِه". لأنَّ ذراعَه القديرة التي تشكِّلُ الجبال هي نفسُها تمسحُ دموعي، وترفِقُ بي، وصوتُه يدعوني ليقول لي: "تعالَوا إليَّ يا جميعَ المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم وتعلَّموا مني لأني وديعٌ ومتواضعُ القلب فتجدوا راحةً لنفوسكم. لأنَّ نيري هيِّن وحِملي خفيف." (متى 28:11–30)
والآن، بعدَ أنْ منحنا هذا الراعي الصالح عامًا جديدًا، وأضاءَ كوكبُ الصبح المنير طريقَنا حتى لا نضيعَ وسْطَ زحمة الحياة وقسوة الأيام، وبعدَ أن أدركنا أنَّه يحبُّنا "محبّةً أبديّة وأدامَ لنا الرحمة" وبذلَ نفسه على الصليب لكي يخلِّصنا ويعيدَنا إليه، بعد كلِّ هذا ماذا تُرانا نفعل؟ هل نبدأُ صفحةً جديدة في حياتنا مع بداية سنة جديدة؟ ونقولُ له هذه الكلمات الصلاة التي ختمَ بها داود المزمور 139: "اختبرْني يا اَلله واعرِفْ قلبي، امتحنِّي واعرفْ أفكاري. وانظُرْ إنْ كانَ فيَّ طريقٌ باطلٌ، واهدِني طريقًا أبديًا." (ع24) عندها فقط، نسترجِعُ هويَّتنا الحقيقيّة ونعرفُ حقًّا مَنْ نحن!


