Voice of Preaching the Gospel

vopg

منذ البداية، كان الله يتكلّم. دعا صوتُهُ النّورَ من الظلام، والنظامَ من الفوضى، والحياةَ

من التراب. ولم يصمت ذلك الصوت بعد السقوط، عندما قطعت الخطيئة علاقة البشرية بالخالق، بل أصبح صوت السعي والبحث، والدعوة، والوعد، وفي النهاية الخلاص. تحرّك صوت الله في جميع أنحاء الكتاب المقدس - من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا - كخيط متواصل، ناسجًا قصة الخلاص. في العهد القديم، تحدّث الصوت إلى الأمام كوعد وإعداد. وفي العهد الجديد، تردّد الصوت إلى الوراء كإتمام وحضور - ليس في مجموعات من اللحظات المنفصلة، بل في لحن واحد مستمرّ - إنه صوت الله الحيّ الذي يجذب شعبه إليه. هذه هي قصة ذلك الصوت، محطة بعد محطة، من جنة عدن إلى عرش الأبدية.


أولاً: الصوت قبل الحجاب

صوت العلاقة من سفر التكوين إلى سفر التثنية


1- الصوت السائر — عدن
لم يكن أول صوت إلهيّ سُمِع بعد السقوط صوتَ الرعد أو الدينونة، بل صوت خطوات - صوت الله - يمشي في الجنة في برد النهار. كان هذا الصوت الباحث، ينادي الذين اختبأوا: «أين أنتم؟» (تكوين 9:3). بدأ سقوط البشرية بالاستماع إلى صوت آخر، كذبة الحية. وسيبدأ الخلاص بتعلّم سماع صوت الله مرة أخرى. لم يكن هذا مجرد سؤال عن المكان، بل دعوة إلى العلاقة، وسعيًا إلهيًّا وراء الضالين. الصوت الذي خلق الكون بالكلمة، تحدّث الآن بنعمة إلى الانكسار، محدّدًا نمطًا لكلّ خلاصٍ يتبعه: الله كالباحث، والبشرية كالمطلوبين.
لا يبدأ الفداء بالبحث البشري، بل بصوت الله الذي يبحث عن الضالين.

2- صوت العهد — سيناء وحوريب
في سيناء، نزل الله في نار ورعد وسحابة كثيفة ليعلن عهده لإسرائيل. لكن موسى ذكّر الشعب لاحقًا بأمر بالغ الأهمية: "وَأَنْتُمْ سَامِعُونَ صَوْتَ كَلاَمٍ، وَلكِنْ لَمْ تَرَوْا صُورَةً بَلْ صَوْتًا." (تثنية 12:4). لم يكن إيمان إسرائيل مبنيًّا على ما رأوه، بل على ما سمعوا. كشف الله عن نفسه عمدًا من خلال الصوت بدلاً من الشكل، مؤسسًا الطبيعة الصوتيّة لعلاقة العهد. لم يكن هذا تعسّفيًّا بل كان له غرض - إعداد الأجيال لليوم الذي سيصير فيه الكلمة جسدًا، عندما يكشف الله عن نفسه مرّة أخرى ليس من خلال الشكل المرئي وحده بل من خلال كلمات الحياة التي يتكلّم بها ابنه.
الإيمان مبني على سماع صوت الله، وليس على رؤية شكله - الصوت، وليس البصر، هو الذي يخلق العهد.

3- صوت الإمداد — البرية
في البريّة، تعلّم إسرائيل درسًا صعبًا عن القوت الحقيقي. أعطاهم الله المنّ كلّ صباح، لكن موسى شرح الغرض الأعمق: "لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الرَّبِّ." (التثنية 3:8) لم يكن التزويد المادي الهدف النهائي أبدًا؛ بل كان التغذية الروحية. كان الخبز اليومي يشير إلى الكلمة اليوميّة، ويعلّم إسرائيل أن صوت الله هو مصدر حياتهم الحقيقي. كان العيش يعني السماع، والاعتماد على تزويده المعلن أكثر من الموارد المرئيّة.
والكلمة التي تخرج من فم الله أعظم من الخبز المادي — فهي صوته هو الذي يحافظ على الحياة نفسها.

4- صوت الحب
"اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ." (تثنية 4:6-5) لم يكن هذا مجرّد أمر، بل دعوة إلى العلاقة الحميمة. جعلت "الشما" السّماع والمحبّة أمرين لا ينفصلان - سماع صوت الله يعني محبّته، ومحبّته تعني الاستماع إلى صوته قبل كلّ الأصوات الأخرى. أصبح هذا أساس هويّة إسرائيل ومقياس الإخلاص الحقيقي. كانت الطاعة تنبع من العلاقة، وكانت العلاقة تستمرّ بالاستماع اليقظ.
السمع والمحبّة هما عمل واحد من أعمال الإيمان - أن تسمع الله حقًّا يعني أن تحبّه، وأن تحبّه يعني أن تستمع إليه.


ثانيًا: الصوت من خلال الأنبياء

صوت تجديد العهد من صموئيل إلى ملاخي

5- الصوت الذي يدعو الخدّام
لم يتميّز الأنبياء برؤية استثنائية بل بسماع استثنائي. عندما دعا الله صموئيل في الليل، سمع الصبي صوتًا. أصبح ردّه نموذجًا لجميع الذين سيخدمون: "تَكَلَّمْ لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِعٌ". (1صموئيل 10:3) سمع إشعياء الرب يسأل: "مَنْ أُرْسِلُ؟" (إشعياء 8:6). سمع حزقيال الصوت يتكلّم من وسط النار والكائنات الحيّة (حزقيال 28:1–1:2). سمع إرميا كلمة الرب تأتي إليه قائلة: "قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ". (إرميا 5:1) لم يبدأ كلّ نبي خدمته بمظهر درامي، بل بكلمات إلهية اخترقت الوعي البشري. فقد نطقوا باسم الله لأنهم كانوا أوّلاً مستمعيه، خدّامًا وكانت آذانهم مفتوحة صباحًا بعد صباح لتلقّي ما سيعلنونه بعد ذلك.
يدعو الله الخدّام الذين يسمعون قبل أن يتكلّموا - تبدأ الخدمة النبويّة بأذنين صاغيتَيْن، لا بعينَيْن مبصرتَيْن.

6- صوت الرحمة - من كرسيّ الرحمة
عندما دخل موسى خيمة الاجتماع، سمع صوت الله يتكلّم إليه "مِنْ عَلَى الْغِطَاءِ (فوق كرسيّ الرحمة) الَّذِي عَلَى تَابُوتِ الشَّهَادَةِ مِنْ بَيْنِ الْكَرُوبَيْنِ". (العدد 89:7) كان ذلك الموضع الذي يُرشّ عليه دم الكفارة مرّة واحدة في السنة في يوم الكفّارة. تكلّم الله حينئذ من على الذهب المغطّى بالدم، حيث التقت القداسة والرحمة في الصوت. لم يخرج الصوت من قوّة خام، بل من مكان التضحية، حيث تمّ تحقيق العدالة ومنح الرحمة. كلّ كلمة نُطقت من عرش النعمة هذا كانت تشير إلى المسيح، الذي سيصبح عرش الرحمة الحقيقي، حيث سيتكلّم الله بالسلام إلى البشريّة من خلال دم الكفارة.
يتكلّم الله من مكان الرحمة — صوته يتدفّق من حيث يغطي الدم الخطيئة وتحتضن العدالة النعمة.

7- صوت التجديد — وادي العظام الجافة
في رؤيا حزقيال، وقف النبي في وادٍ مليء بالعظام الجافة جدًّا، والميّتة جدًّا، والميؤوس منها جدًّا. ثم أمره الله: "تَنَبَّأْ عَلَى هذِهِ الْعِظَامِ وَقُلْ لَهَا: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْيَابِسَةُ، اسْمَعِي كَلِمَةَ الرَّبِّ." (حزقيال 4:37) تكلّم حزقيال، وبينما كان يتنبأ، سمع صوتًا، وقعقعة، وتجمَّعت العظام. غطّتها اللحوم والجلود، ودخل فيها الروح، فعاشت - جيشًا ضخمًا واقفًا على أقدامه. كانت هذه قوّة كلمة الله المنطوقة من خلال شفاه بشريّة - نفس الصوت المحيي الذي سيوقظ يومًا ما الموتى من قبورهم، والذي سيحيي ليس فقط الأجساد بل الشعوب، ليس فقط اللحوم بل الإيمان. صوت الله الذي يحيي الموتى عندما يتكلّم إليهم، تتبعه القيامة.

8- صوت من خلال إشعياء 
وجّه الله دعوة ستتردّد أصداؤها في كلّ الوحي اللاحق: "أَمِيلُوا آذَانَكُمْ وَهَلُمُّوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا فَتَحْيَا أَنْفُسُكُمْ. وَأَقْطَعَ لَكُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا". (إشعياء 3:55) كان هذا أكثر من مجرّد دعوة للانتباه؛ كان عرضًا للحياة نفسها، مشروطًا ليس بالإنجاز بل بالاستماع، ليس بالكسب بل بالانصياع. كان الوعد واضحًا: من يسمعون سيحيون. الحياة تأتي من خلال الأذن، لا من خلال الجهد. الخلاص صوتي قبل أن يكون بصريًّا.
تأتي الحياة إلى الذين يميلون آذانهم إلى الله - فسماع صوته هو الطريق إلى العهد الأبدي.

­‑ يتبع في العدد القادم

المجموعة: شباط (فبراير) 2026

logo

دورة مجانية للدروس بالمراسلة

فرصة نادرة تمكنك من دراسة حياة السيد المسيح، ودراسة حياة ورسائل بولس الرسول. عندما تنتهي من هاتين الدراستين تكون قد أكملت دراسة معظم أسفار العهد الجديد. تتألف كل سلسلة من ثلاثين درسًا. تُمنح في نهاية كل منها شهادة خاصة. للمباشرة بالدراسة، أضغط على خانة الاشتراك واملأ البيانات. 

صوت الكرازة بالإنجيل

Voice of Preaching the Gospel
PO Box 15013
Colorado Springs, CO 80935
Email: hope@vopg.com
Fax & Tel: (719) 574-6075

عدد الزوار حاليا

165 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

إحصاءات

عدد الزيارات
13753367