تُعتبر التطويبات كنزًا أدبيًّا وروحيًّا خالدًا أعطاها الله للبشرية العطشانة إلى الحقّ.
وموضوع التطويبات الأساسي هو الحياة الروحية، ومع ذلك فهي تشمل أمورًا أخلاقية واجتماعية وسياسيّة.
تتناول التطويبات أحوال وروح ونفس وحياة الإنسان في مواقف مختلفة. كذلك تتناول عمل الله في حياة الإنسان الآن وفي المستقبل، وتتحدّث عن إرادة الله للإنسان في كلِّ زمان ومكان وظرف؛ كما وتتحدّث عن أسلوب حياة سلميّ ومحبّ ومتواضع وطاهر أمام الله والناس.
1- طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات
"طُوبَى" الأصل اليوناني هي كلمة "مَكاريوس" وقد وردت 50 مرّة في العهد الجديد، وتعني مباركٌ، وخيرٌ لِـ، وحسَنٌ لـِ، والحسنى لـِ، والغبطة والسعادة والخير. والكلمة في الأصل العبري في العهد القديم هي "إيشِر" وتكرّرت 45 مرّة، وتحمل نفس معنى الكلمة اليونانيّة.
تصف كلمة "طوبى" حالة الإنسان الذي ينال بركة ونعمة خاصّة من الله الحيّ. أي أنّ الإنسان الذي ينال رضى ونعمة الله هو إنسان مطوّب، أي أنّه سعيد ومغبوط بالتأكيد.
من الآيات الّتي وردت بها كلمة "طوبى": "طُوبَى لِرَجُل يُؤَدِّبُهُ اللهُ. فَلاَ تَرْفُضْ تَأْدِيبَ الْقَدِيرِ." (أيّوب 17:5) "طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُل لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً، وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ." (مزمور 1:32-2) قالت أليصابات للقدّيسة مريم أم يسوع: "طُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ." (لوقا 45:1) "طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ وَيَحْفَظُونَهُ." (لوقا 28:11)
"لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ": أي أولئك الأشخاص الذين يعترفون بأنّهم لا شيء أمام الله. فهم يضعون كلّ آمالهم وثقتهم بالله، وليس بالمال أو القوة أو المركز أو الجمال أو الانتماء الديني أو العائلي أو الحزبي أو السّياسي.
المساكين بالروح هم البسطاء والمتواضعون أصحاب القلوب الطيِّبة. هم البعيدون عن كلّ مظاهر الفخر والعظمة والكبرياء. لا تعني عبارة "المساكين بالرّوح" الفقراء مادّيًّا، فقد يكون الإنسان فقيرًا، ولكن لديه كبرياء، وينظر باحتقار أو كراهية أو حسد للآخرين.
وقد يكون غنيًّا ويتمتّع ببركات ماديّة كثيرة، ولكنّه يضع ثقته واتّكاله بالكامل على الله وليس على المال، وبالتّالي تنطبق عليه صفة المسكين بالرّوح.
"لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ".
أعدّ الله ملكوت السماوات للمساكين بالروح، وسيفرح المساكين بالروح في الملكوت إلى الأبد. وفرحهم هذا لن يكون مستقبليًّا، أي أنه ليس عليهم الانتظار حتى نهاية العالم ليفرحوا بالملكوت، فقول الرّبّ يسوع المسيح "لأن لهم" تدلّ على أنهم يستطيعون "الآن" تذوُّق الملكوت، أي في هذا العالم. وعندما يأتي اليوم الأخير، أي يوم الرَّبّ العظيم، سيعيشون عمليًّا في الملكوت وإلى الأبد. فالمساكين بالروح يستطيعون أن يفرحوا بالملكوت من الآن وإلى الأبد.
2- طوبى للحزانى لأنهم يتعزّون
توجد في حياة النّاس أسبابٌ كثيرة للحزن، مثل المرض، والموت، وسَفَرُ إنسانٍ عزيز، وخسارة مال أو ممتلكات، والإصابة بحادث عمل أو سير قد يؤدّي إلى تشوّه في الجسم أو فقدان البصر أو إعاقة دائمة.
ولكن الرّبّ يسوع المسيح يتحدّث هنا عن حزن من نوعٍ آخر، إنّه يتحدث عن الحزن القلبي الصادق بسبب الخطية، ويوجد لدينا في الكتاب المقدس أمثلة عديدة على هذا الحزن:
حزن رجل الله عزرا الذي ناح لأن الشعب خان الله (عزرا 6:10). وحزن نبيّ الله داود وبكى أيامًا على خطاياه طالبًا الغفران (راجع مزمور 4:51). وحزن التّلميذ بطرس الذي بكى بكاءً مرًّا بعد أن أنكر الرّب يسوع المسيح (لوقا 62:22).
إن دموع الحزن والتوبة من الخطايا هي أنقى وأقدس بما لا يقاس من كلّ مغريات العالم.
نقرأ في مزمور 136:119 "جَدَاوِلُ مِيَاهٍ جَرَتْ مِنْ عَيْنَيَّ لأَنَّهُمْ لَمْ يَحْفَظُوا شَرِيعَتَكَ".
فالمؤمن الحقيقي لا يحزن فقط على خطاياه الشخصية، بل يحزن عندما يرى العالم منغمسًا بالخطايا والشرور، وللأسف الشديد، ما أكثر خطايا وشرور العالم هذه الأيّام. فهل نصلي إلى الله من أجل عالمنا؟ هل نحزن ونصلي إلى الله تائبين بسبب خطايانا الشخصيّة؟
عندما نكذب أو نراوغ وندَّعي أشياء باطلة. عندما نأخذ شيئًا ليس لنا، أو نسخر من الآخرين. كذلك عندما نفكّر بالشرِّ، أو النَّصب، أو الزنا، أو شهوات الجسد الرديّة، ما هو الشعور الذي يملأ حياتنا لحظتها؟
هل نفرح بالإثم؟ هل نفرح بسبب الشر؟ أم نحزن ونبكي على الإثم والشرّ والخطيّة؟
يطلب منا الرّب يسوع المسيح هنا أن نقف وقفة مع الذات ونبكي ونحزن بسبب فسادنا ونجاستنا وخطايانا... يطلب منّا الله أن نصرخ قائلين: اللهمّ ارحمني أنا الخاطئ. وجميعنا خطاة ونجسين ملوّثين بالشرّ بحاجة لأن نصرخ طالبين غفران الخطايا؛ ومن يصرخ سينال رحمة الله بالتأكيد، وذلك لأنّ الرّب يسوع المسيح قد وعدنا قائلًا: "لأنّهم يتعزَّوْن"، وعلينا أن نؤمن ونتذكّر باستمرار بأنّ الله وحده معطي العزاء الحقيقي.
كتب نبيّ الله إشعياء بوحي من الروح القدس: "عزّوا، عزّوا شعبي". (1:40)
أجل، إن الله يريد أن يعزّينا إن بكينا وحزنَّا وتُبنا عن خطايانا، وسنختبر هذا العزاء عمليًّا في هذا العالم، وفي الأبدية سننال العزاء الدائم بالسَّكن إلى الأبد مع الله في ملكوت السماوات.
3- طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض
الإنسان الوديع هو ذلك الشّخص الهادئ والسّاكن الذي يعيش حياته في بساطة وطيبة قلب عامرٍ بالحبّ، فالوداعة هي أسلوب وطريقة حياة تتّسم بالهدوء والسّلام والسكينة والوقار. تعني الوداعة كذلك الابتعاد عن الغرور والخيلاء، وعن الادّعاء بالعظمة والكبرياء.
نقرأ في 1بطرس 4:3 عن "زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ". ووصف الرّب يسوع المسيح نفسه قائلًا: "اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ". (متى 29:11)
يخلو قلب وعقل الإنسان الوديع من الخبث وروح النقمة، وذلك كما نقرأ في رسالة يعقوب 13:3 "مَنْ هُوَ حَكِيمٌ وَعَالِمٌ بَيْنَكُمْ فَلْيُرِ أَعْمَالَهُ بِالتَّصَرُّفِ الْحَسَنِ فِي وَدَاعَةِ الْحِكْمَةِ." فالوديع لا يتكبّر على الناس، ولا يعاملهم بقسوة، بل بالحبّ والرحمة والهدوء والبساطة. إنه إنسان بسيط وطيّب القلب، غير عدواني، وليس جافيًا أو قاسيًا أو استبداديًّا، بل حليمًا ومحبًّا.
دعونا نلاحظ تسلسل كلام الرّبّ يسوع المسيح حتى الآن: فقد طوّب أوّلًا المساكين بالروح، وبعدهم الحزانى، ثم الودعاء.
وبالنسبة لنا، فقد نكون بسطاء ومتواضعين، ونحزن ونبكي على خطايانا، ولكن يأتي السؤال: هل نتصرّف بوداعة إذا ما أشار الناس إلى إفلاسنا الروحي أو إلى خطايانا، أم نردّ عليهم بعنف وقسوة؟
يدعونا الرّب يسوع المسيح جميعًا، وبكلّ وضوح، إلى حياة الهدوء والرحمة والوداعة.
"لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ".
تشير كلمة "الأرض" هنا إلى الأرض الجديدة الموعودة الّتي سيخلقها الله في اليوم الأخير، أي أنّ الكلمة هنا لا تعني ولا تتعلّق بالأرض الحاليّة الّتي نعيش فيها، وذلك لأنّها ملعونة بسبب الشرور والخطايا (تكوين 17:3).
كذلك لا تشير الكلمة إلى أرض كنعان أو "أرض الميعاد"، بل إلى ملكوت السّماوات.
تمتلئ كرتنا الأرضية بالأمراض، والجراثيم، والشرور، والحروب، والمجازر، والعنصريّة، والنجاسات، والدعارة، والقرف بكلّ أشكاله، أما الله فقد وعدنا بأنه سيخلق لنا أرضًا جديدةً وسماءً جديدة يسكن فيها البرّ والصلاح، أي لا وجود للخطية فيها.
نقرأ في إشعياء 17:65 وعد الله لشعبه المؤمن بالرّب يسوع المسيح: "لأَنِّي هَئَنَذَا خَالِقٌ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً فَلاَ تُذْكَرُ الأُولَى وَلاَ تَخْطُرُ عَلَى بَالٍ." ونقرأ في 2بطرس 13:3 "وَلَكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ".
في تلك الأرض الجديدة، سيسكن الودعاء: "أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الأَرْضَ وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَةِ". (مزمور 11:37) وذلك "لأَنَّ عَامِلِي الشَّرِّ يُقْطَعُونَ وَالَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الرَّبَّ هُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ". (مزمور 9:37)
- يتبع


