
مع بداية أي عام جديد، نسمع عن قوانين وأنظمة جديدة تُسنّ لتخدم المجتمع،
وتحافظ على حقوق الناس وتوزيع الموارد بعدالة. هذه القوانين تهدف لتحقيق النظام، لكنها تذكّرنا أيضًا بمبدأ أزلي: الحق يجب أن يُحفظ، والصوت الصحيح يجب أن يُسمع.
وهذا ما فعله الله في سفر العدد مع خمس نساء شجاعات: محلة، نُوعة، حجلة، ملكة، وترصة. في زمنٍ كان الميراث يُحسب فقط للذكور، تقدّمن إلى موسى وألعازار الكاهن ورؤساء الجماعة، وقلن لِمَاذَا يُحْذَفُ اسْمُ أَبِينَا مِنْ بَيْنِ عَشِيرَتِهِ لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ابْنٌ؟ أَعْطِنَا مُلْكًا بَيْنَ إِخْوةِ أَبِينَا. (عدد 4:27).
طلب بسيط، لكنه غيّر التاريخ. الرب نفسه قال لموسى: «بِحَقٍّ تَكَلَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ.» (عدد 7:27). فصارت شجاعتهنّ قانونًا دائمًا، يُعلّم الأمة معنى العدل الإلهي: وَتُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: أَيُّمَا رَجُل مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ، تَنْقُلُونَ مُلْكَهُ إِلَى ابْنَتِهِ. (عدد 8:27).
شجاعة الإيمان تغيّر الواقع
بنات صلفحاد لم يطالبن لنفسهن فقط، بل حافظن على ميراث الأب وحقّ الأسرة. لم يكن طلبهن تمرّدًا، بل إيمانًا بعدالة الله، يعلّم أن صوت المؤمنة قد يكون سببًا لتغيير قوانين شعبٍ بأكمله. لكن القصة لم تنتهِ هنا. ففي الأصحاح 36، ظهرت مشكلة جديدة: خاف شيوخ سبط منسّى أن تخرج الأرض من حدود السبط إذا تزوّجت البنات من رجال من أسباط أخرى. فقرر الله: هذَا مَا أَمَرَ بِهِ الرَّبُّ عَنْ بَنَاتِ صَلُفْحَادَ قَائِلًا: مَنْ حَسُنَ فِي أَعْيُنِهِنَّ يَكُنَّ لَهُ نِسَاءً، وَلكِنْ لِعَشِيرَةِ سِبْطِ آبَائِهِنَّ يَكُنَّ نِسَاءً. فَلاَ يَتَحَوَّلُ نَصِيبٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ سِبْطٍ إِلَى سِبْطٍ، بَلْ يُلاَزِمُ بَنُو إِسْرَائِيلَ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَ سِبْطِ آبَائِهِ (عدد 36: 6-7).
شجاعة الإيمان في بداية العام الجديد
بنات صلفحاد قدّمن طلبًا قبل أن يروا الأرض، مؤمنات بالوعد، وجرؤا على طلب التغيير. في بداية عامنا الجديد، يدعونا الرب أن نكون مثل هؤلاء البنات: أن نرفع صوتنا للحق، أن نسأل ونطلب ما يغيّر حياة الآخرين، وأن نكون أدوات رحمة الله في عالم يحتاج إلى بصيص نور وإيمان. كل خطوة شجاعة بالإيمان قد تترك أثرًا دائمًا، ليس فقط على حياتنا، بل على حياة من حولنا، على مجتمعنا، وربما على جيل كامل من النفوس.
رحلة الأسماء… ورحلة الإيمان
أسماء البنات الخمس تمثّل مراحل الإيمان:
محلة: من ضعف الإنسان
نُوعة: إلى التحرك بالشجاعة
حجلة: إلى الانطلاق في الحرية
ملكة: نحو الكرامة
ترصة: لتنال النفس الفرح والرضا.
ليكن هذا العام الجديد رحلة مماثلة: نبدأ بضعفنا، لكننا ننهض بشجاعة، نسير في حرية أبناء الله ونعيش بكرامة في حضرته، حتى يمتلئ قلبنا بفرح الروح القدس، ونرى أرواحًا جديدة تدخل إلى ميراث الحياة الأبدية.
بنات صلفحاد لم يَغَيِّرن حياتهن فقط، بل غيّرن تاريخ أمةٍ كاملة. لقد آمنّ بميراث لم يُرَ بعد، وتكلّمن في وقتٍ لم يكن فيه للنساء صوت، فصار صوتهنّ تشريعًا للأجيال.
في بداية عامٍ جديد، قد يدعوك الله أن تكون مثل هؤلاء البنات: أن تجرؤ أن تسأله، أن تُقدِّم طلبك بإيمان، وأن تكون أداة تغيير روحي في حياة من حولك. قد يضع الرب في قلبك فكرة أو كلمة أو موقفًا يُحدث فرقًا، فقط إن تجرأت أن تقف أمامه وتقول: " يا رب، لِمَاذَا يُحْذَفُ اسْمُ أبي؟” أي، لِمَاذَا يُنسَى من أحبّهم؟ ويجعلك الله سببًا لإعادة الميراث الروحي المفقود إلى كثيرين.


