Voice of Preaching the Gospel

vopg

لماذا الانكسار؟
حدّثني شاب عن اختباره مرة فقال: "لقد أصبحت مؤمنًا منذ سنتين،

ولا أستطيع أن أصف لك مدى التغيير الذي صار في حياتي الآن. في الأسبوع الماضي ذهبت إلى اجتماع للصلاة يُعقد مساء الجمعة، وفي الطريق ورد على ذهني خاطر: لو أن أحدهم أخبرني قبل سنتين بأنني سآخذ طريقي إلى اجتماع صلاة في أمسية يوم جمعة حيث أقدّم الشكر لله مترنّمًا من القلب وباللسان بترنيمات الحمد والسبح ومستمتعًا بكلّ لحظة في هذا الاجتماع، لكنت عندئذ قد قلت لهذا الإنسان: إنك مختلّ العقل!
ثم استطرد هذا الشاب يروي اختبار التجديد قائلاً في لهجة متعقّلة تتّسم بالجدّيّة: إنني أحيانًا أتعجّب لماذا كان ضروريًّا أن اجتاز في مثل هذه التجارب الرهيبة قبل أن آتي إلى الرب. لقد كنت سكيرًا شقيًّا، وكنت أستغلّ الآخرين، وأحبّ العالم والأشياء التي في العالم، وقد اصطدمت بالقانون عندما كدت أقتل زوجين أثناء قيادتي السيارة وأنا مخمور. آه! كم أتمنّى الآن لو أنني تعرّفت على الرب قبل ذلك بوقت طويل!"
فقلت للشاب: ربما كان هناك شيء في حياتك يجب أن يموت قبل أن تتمتّع بملء الحياة الجديدة في المسيح. ففكّر للحظة ثم قال: نعم، أنت على حقّ. فأنا لم أكن مستعدًّا أن أتخلّى عمّا كنت أسمّيه "الحياة الناعمة" أو "الحياة اللذيذة". كنت أعتقد عندئذ أنني أستمتع بحياة رائعة، أما الآن فقط أدرك كم كانت حياتي مزعجة ومُخجلة!
لقد خلقنا الله لذاته، وخلقنا لنحيا حسب قصده، لكن قبلما يستطيع أيٌّ منّا أن يحيا بالتمام حسب خطة الله، يجب أن يموت أوّلاً عن الذات وعن رغبته في أن يحيا حياته الخاصة، وأن يعيش طبقًا لما خطّطه الله له، وحسبما يريد!

إن شيئًا ما يجب أن يموت حتى تبدأ الحياة
أحد المواضيع الكتابية الهامة التي تتكلّم عن الألم قبل المجد، وعن الموت قبل الحياة هو ما جاء في يوحنا 24:12 "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ". كان السيد يجهّز تلاميذه بخصوص الصلب والقيامة. طالما أنت تحتفظ بحبّة القمح في يدك، فإنك تملك حبّة قمح واحدة فقط. باستطاعتك أن تضع هذه الحبّة على أرضية مخزن الغلال، أو تضعها على قاعدة الشباك، أو تحت مقبّب رائع من الكريستال، وتحتفظ بها إلى الأبد. في جميع الأحوال ستبقى حبّة واحدة، فلا شيء يصدر عنها أو يخرج منها، فتتعفّن وتتحوّل إلى غبار. لكن حالما تأخذها وتدفنها في الأرض وتغطيها بالتربة فأنت بذلك قد جعلتها في وضع الموت – لكنك في ذات الوقت هيّأتها لتنتج حياة! ذلك أن عناصر التربة، مع حرارة الشمس، ورطوبة الأرض، هذه جميعها تعمل وتتفاعل مع بعضها ومع الغلاف الخارجي للحبّة، وقبل أن يمضي وقت طويل، تتكسّر القشرة، وتبدأ نبتة خضراء صغيرة تشقّ طريقها خلال التربة إلى أعلى حيث تقتحم، وتظهر في ضوء الشمس. ثم يبدأ الجذر يتعمّق إلى أسفل، مثبِّتًا النبتة في التربة.
إن الحبّة التي تزرعها تختفي في الأرض بينما تظهر مكانها سويقة تمتلئ بحبات القمح. وكل حبة من حبات القمح هذه لديها القدرة أن تنمو إلى نبات يحمل بدوره قمحًا جديدًا من نفس نوعه. وهكذا فإنه بوسع الإنسان أن يزرع مساحات بلا حدود من القمح، لو أن كلّ ما يفعله هو أن يعيد زراعة كلّ حبّة من حبّات القمح التي نتجت عن الحبّة الواحدة والتي زرعها أولاً، ثم يعيد زراعة الناتج، وهكذا دواليك.
كان يسوع يعلّم أنه طالما بقيت حبّة الحنطة وحدها فلن يمكنها أن تأتي بثمر. كان يتحدّث عمّا سيحدث له وشيكًا. فقبل الصليب، كان البعض قد تمتّع بواسطته بنعمة الشفاء، والبعض استفاد من معجزاته التي صنع بدافع رحمته، والبعض ربما رجع إلى الله بواسطة تعاليمه وخدمته، إذ "لم يتكلّم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان!" (يوحنا 46:7) لكن في نهاية الأمر، فإن العالم كان سيبقى بدون غفران، لأنه "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة". (عبرانيين 22:9) لذلك كان من الضروري أن يموت يسوع قبل أن يكون باستطاعة الحياة التي فيه أن تمتدّ – بعد قيامته - وتتضاعف وتتكاثر. والآن، وقد وضع حياته وأطاع حتى الموت موت الصليب، وقام من بين الأموات، فإن حياته أمكن لها أن تتضاعف مرات بلا عدد، الأمر الذي حدث فعلاً خلال القرون المتعاقبة، ولا يزال يحدث، وأولئك الذين قبلوه كالمخلّص الحيّ المُقام من بين الأموات، غُفرت خطاياهم وكُتبت أسماؤهم في سفر حياة الخروف الذي ذُبح، ذلك لأنه كان راغبًا في أن يموت ويضع حياته لأجلهم.
ويسوع، بدوره، يدعو كلّ واحد منّا أن يحمل صليبه وينكر ذاته، فيموت عن الذات بالتمام، ويكرّس الحياة لخدمة اسم مجده... وبهذا يمكننا أن نحيا له ونأتي بالثمر الكثير لمجده.
هذا، وقد أكمل يسوع حديثه قائلاً: "مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ." (يوحنا 25:12) إننا يجب أن نموت عن عواطفنا، وأحلامنا، ورغائبنا، وطموحاتنا، وأهدافنا الدنيوية كي يتّخذ الربّ يسوع طريقه في حياتنا. عندئذ فقط يمكننا بحقّ أن نتمتّع بالحياة في كمالها وملئها، لأنها ستكون حياة الثمر المتكاثر لمجد الله. لكننا قد نتساءل: لماذا يتطلّب الأمر أن شيئًا ما فينا يجب أن يموت أوّلاً حتى نتمتّع بالحياة؟ الله وحده يعلم طبيعة هذه الأسباب التي لا تدركها عقولنا القاصرة. لكن، على أيّة حال باستطاعتنا أن نتحقّق صحّة هذا المبدأ من خلال الخليقة التي أبدعها الله. مثلًا، نحصل على عصير العنب فقط عندما نسحق حبّات العنب. ونحصل على الخبز فقط لأن حبّات القمح قد طُحنت وصارت دقيقًا. كذلك تصبح حياتنا مثمرة ونافعة عندما يحطّم الله ويسحق إرادتنا الذاتية ويخضعها لإرادته الصالحة.


الله يريدنا أن نضع مستقبلنا بين يديه:
الشباب – على وجه الخصوص – يمرون بأوقات صعبة قبل أن يخضعوا ويسلّموا حياتهم بالتمام للرب يسوع. إنهم يرون المستقبل الممتدّ أمامهم وقد امتلأ بما يلوح لهم أنها "فرصة العمر" كما يقولون، وهي في الواقع فرصة الشيطان الذي يأتي لخداعهم مصوِّرًا لهم أن المستقبل لن يكون مشرقًا بدون استمرار علاقة معيّنة غير شرعية، أو بدون إشباع شهوة جنسية، أو امتلاك واقتناء أشياء بعينها، إلى آخر هذه الترهات... وهكذا نجد الشباب يسعون ويلاحقون ما قد صوّره لهم الشيطان أنه "الطريق الأمثل للحياة"، ومن البديهي أن مثل هذه الخطة الشيطانية لا تجعل له مكانًا على الإطلاق. وعندما يسعى الإنسان في إثر الشيء الذي صوّره له العدوّ أنه الشيء الذي لا غنى عنه، يبتدئ الإنسان يدخل في صراع للحصول على ذلك الشيء وامتلاكه. وهذا الصراع أساسه عنصر الطمع، ذلك أن الإنسان لا يقف عند حدّ سعيه الدؤوب وصراعه المرير لتحقيق المزيد من الإنجازات أو المكاسب التي يرى فيها تحقيق أهدافه، وهو في هذا السبيل قد يدوس المبادئ ولا يهمه ما قد يصيب الآخرين من أذى وهو يسعى في سبيل تحقيق هذه الأهداف. ومن وراء هذا يقف الشيطان عدو الخير، وهو عدوٌّ ماكرٌ وبارعٌ جدًّا في تزييف الحقائق، ويجعل الإنسان يجري وراء السراب طلبًا لتحقيق ما صوّره له الشيطان من أهداف، وهكذا يستنزف الإنسان طاقته يومًا وراء يوم، وشهرًا إثر شهر، وسنة وراء أخرى، ولا يصل أبدًا إلى الهدف المنشود لأنّه مجرّد سراب! وحتى لو ربح مثل هذا الإنسان العالم كلّه وحقّق أهدافه فماذا ينتفع لو كان ما حقّق على حساب خسارة نفسه أبديًّا؟ وهكذا يتحقّق قول السيد له المجد: "لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟" (متى 26:16) ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن يكون قد خسر نفسه.
والآن، هل هناك خطأ في أن نحبّ الأشياء ذات القيمة أو نقتني الأفضل ما دام في مقدورنا أن نحصل عليه؟ هل من خطأ في أن يكون هناك شريك الحياة وأن يكون لدينا أطفال؟ هل نحن نجانب الصواب عندما تحدونا الرغبة في إحراز النجاح والتفوّق في عملنا؟
كلّا! إنما الخطأ يكمن عندما نتصوّر أننا لن نقدر أن نعيش بدون هذه الأشياء، فنجعل اقتناء الممتلكات والعلاقات التي تربطنا مع بعضنا البعض، والإنجازات التي نسعى لتحقيقها، هدفنا في هذه الحياة ونستبدلها بعلاقاتنا مع الله. إن درس ترتيب الأولويّات في حياتنا هو درس يفوق في أهمّيته أي شيء آخر، وقد علّمنا إياه السيد – له المجد – قائلاً لنا: "اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ". (متى 33:6) إنه فقط عندما تتخذ علاقتنا مع الله الأولويّة المطلقة يستطيع الله أن يأتي بنا إلى الموضع الذي يمكننا فيه أن ننجز أهدافنا ونحصل على ما يشبع قلوبنا حقًّا.
دعونا لا نلتفت إلى مزاعم الشيطان الكاذبة عندما يحاول خداعنا وتصوير أيّ شيء على أنه ضروري، ولا يمكننا العيش بدونه، بل ينبغي أن يكون هذا بمثابة إنذار لنا لنعيد تقييم علاقتنا مع الله ونعيد النظر من جديد في أولويّات حياتنا. إن الآب السماوي يعلم ما نحتاجه، وهو يعلم ما هو الأفضل بالنسبة لنا، وهذا يتضمّن أيضًا مقدار ما يلزم. والحقيقة هي أنه بإمكاننا أن نحيا بأقلّ القليل، لكننا أبدًا لن يمكننا أن نعيش بدون الله "لأننا به نحيا ونتحرّك ونوجد." (أعمال 28:17) وهو وحده القادر أن يشبع قلوبنا ويملأ كل احتياج لنا بحسب غناه في المجد في المسيح يسوع. (فيلبي 19:4)

المجموعة: شباط (فبراير) 2026

logo

دورة مجانية للدروس بالمراسلة

فرصة نادرة تمكنك من دراسة حياة السيد المسيح، ودراسة حياة ورسائل بولس الرسول. عندما تنتهي من هاتين الدراستين تكون قد أكملت دراسة معظم أسفار العهد الجديد. تتألف كل سلسلة من ثلاثين درسًا. تُمنح في نهاية كل منها شهادة خاصة. للمباشرة بالدراسة، أضغط على خانة الاشتراك واملأ البيانات. 

صوت الكرازة بالإنجيل

Voice of Preaching the Gospel
PO Box 15013
Colorado Springs, CO 80935
Email: hope@vopg.com
Fax & Tel: (719) 574-6075

عدد الزوار حاليا

126 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

إحصاءات

عدد الزيارات
13753339