لقد عاش المسيح حياة كلّها حبّ وتسامح وسلام؛ إذ شفى الكثيرين وغفر خطاياهم، وعزّى المتألّمين،
وأشبع الجياع. لكنّ السؤال من قتل المسيح؟
نرى أربع فئات اشتركت في قتل المسيح:
أولاً- فئة يهوذا - سيطرة محبّة المال
"حِينَئِذٍ ذَهَبَ... يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ، إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقَالَ: «مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُوني وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟» فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ." (متى 14:26-١٥)
من هو يهوذا الإسخريوطي؟
كان واحدًا من التلاميذ... صنع معجزات... كان مسؤولًا عن الإدارة والميزانية. لم يُقصّر مرّة للتواجد في الاجتماعات مع المسيح. كان شجاعًا واعترف بجريمته وشهد ببراءة المسيح. لم يكن زانيًا مستبيحًا كعيسو، ولم يكن مُجدّفًا ومُفتريًا كشاول الطرسوسي، لم ينحنِ لوثنٍ كما فعل سليمان. كلّ مشكلة يهوذا هي محبة المال. المال بركة ولكن كثيرًا ما يجعل البشر منه صنمًا يتعبّدون له.
"مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ." (١تيموثاوس 9:6-10)
"لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ." (متى 24:6)
لقد قرّر يهوذا تسليم المسيح للموت لأسباب كثيرة منها محبّة المال.
ثانيًا- فئة رؤساء الكهنة والشيوخ - سيطرة الغيرة والحسد
"لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوهُ حَسَدًا." (متى 18:27) لقد أُسلم يسوع للموت بسبب غيرة وحسد رؤساء الكهنة والشيوخ. هم رجال شيوخ من سبط لاوي ومن بني هارون. حريصون على مجد الله يقفون بكلّ حزم أمام أيّ تجديف. حريصون على الحقّ الكتابي وحفظه. محبّون لشعب الله ومُدافعون عن هيكل الله. قلوبهم مكسورة على الشعب الذي لا يحفظ الناموس. يقدّســون الشـريعــة ويحترمون القانون. حريصون على طاعة كلّ ما هو مكتوب في الناموس. ما هي خطيّتهم؟ إنها خطيّة الحسد. لقد كانت هناك غيرة وحسد من إخوة يوسف له، "فَحَسَدَهُ إِخْوَتُهُ... (تكوين 11:37) "وَحَسَدُوا مُوسَى فِي الْمَحَلَّةِ، وَهارُونَ قُدُّوسَ الرَّبِّ". (مزمور 16:106)
والحسد هو الغيرة الشديدة المرّة من شخص ناجح ومثمر. لقد كانت لهم غيرة من المسيح... فهو يصنع معجزات وآيات والشعب يسير خلفه فخافوا على مركزهم ومناصبهم.
مظاهر الغيرة والحسد:
١- تشويه صورة الشخص واحتقاره: "وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَهُمْ مُسْتَهْزِئُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَعَ الْكَتَبَةِ، قَالُوا: «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! لِيَنْزِلِ الآنَ الْمَسِيحُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ عَنِ الصَّلِيبِ، لِنَرَى وَنُؤْمِنَ!». وَاللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ كَانَا يُعَيِّرَانِهِ." (مرقس 31:15)
٢- أن ندّعي مقدرتنا على فعل الشيء الذي يفعله الشخص المحُسود: "فَأَجابَ رَئِيسُ الْمَجْمَعِ، وَهُوَ مُغْتَاظٌ لأَنَّ يَسُوعَ أَبْرَأَ فِي السَّبْتِ، وَقَالَ لِلْجَمْعِ: «هِيَ سِتَّةُ أَيَّامٍ يَنْبَغِي فِيهَا الْعَمَلُ، فَفِي هذِهِ ائْتُوا وَاسْتَشْفُوا، وَلَيْسَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ!»" (لوقا 14:13)
٣- محاولة الحاسد تصيّد أخطاء الشخص المحسود: "حِينَئِذٍ ذَهَبَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَتَشَاوَرُوا لِكَيْ يَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ." (متى 15:22)
4- التخلص من الشخص وذلك بقتله
ثالثًا- فئة جموع الشعب (سيطرة غياب الوعي والإدراك)
"وَلكِنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخَ حَرَّضُوا الْجُمُوعَ عَلَى أَنْ يَطْلُبُوا بَارَابَاسَ وَيُهْلِكُوا يَسُوعَ." (متى 20:27) "فَهَيَّجَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْجَمْعَ لِكَيْ يُطْلِقَ لَهُمْ بِالْحَرِيِّ بَارَابَاسَ." (مرقس 11:15)
ينقسم الناس إلى قسمين: قسم يتطلّع إلى السيطرة على الناس. وقسم تابع مُقلِّد أعمى يسير بلا عقل أو فكر. يقول ديفيد آيك (كاتب إنجليزي ومقدّم برامج): "إن الجموع تُقاد وتُساق بطرقٍ مختلفة من السيطرة العقليّة والعاطفيّة. فهذه هي الطريقة الوحيدة للسيطرة على ملايين الناس، حيث يمكن للمرء أن يتلاعب بطريقة تفكيرهم ومشاعرهم لدرجة أنهم يقرّرون ما يريدهم أن يفعلوا".
رابعًا- فئة بيلاطس (إرضاء الناس)
كلّ الأدلّة كانت في صفّ المسيح وكان من الممكن أن يحكم بيلاطس ببراءة المسيح لكنّه كان حريصًا على إرضاء القادة والمسؤولين من أجل مصلحته الخاصة.
"وَإِذْ كَانَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ قَائِلَةً: «إِيَّاكَ وَذلِكَ الْبَارَّ، لأَنِّي تَأَلَّمْتُ الْيَوْمَ كَثِيرًا فِي حُلْمٍ مِنْ أَجْلِهِ» ... فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئًا، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ، أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلاً: «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ! أَبْصِرُوا أَنْتُمْ!»." "فَقَالَ بِيلاَطُسُ لِرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْجُمُوعِ: «إِنِّي لاَ أَجِدُ عِلَّةً فِي هذَا الإِنْسَانِ»". (لوقا 4:23)
"فَبِيلاَطُسُ إِذْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ لِلْجَمْعِ مَا يُرْضِيهِمْ، أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ، وَأَسْلَمَ يَسُوعَ، بَعْدَمَا جَلَدَهُ، لِيُصْلَبَ." (مرقس ١٥:١٥) فهو يرضي الناس على حساب الحقّ.
"أَفَأَسْتَعْطِفُ الآنَ النَّاسَ أَمِ اللهَ؟ أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ؟ فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ، لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيحِ." (غلاطية 10:1)
دعني أسأل السؤال بصيغة أخرى: لماذا يهلك الناس؟ ولماذا يرفضون يسوع مخلّصًا شخصيًّا لحياتهم؟ لماذا يرفضون الحياة الأبدية؟ ولماذا تكون نهايتهم الهلاك؟
الإجابة: قد تكون الخطايا الأربعة السابقة التي جعلت البعض يرفضون المسيح هي نفسها التي يستخدمها إبليس، فهو ما زال يُكرّر نفس السهام ونفس الأفكار. "لِئَلَّا يَطْمَعَ فِينَا الشَّيْطَانُ، لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ." (٢كورنثوس 11:2)


