Voice of Preaching the Gospel

vopg

السلام هو أحد أعمق أشواق الإنسان وأكثرها إلحاحًا. بحث الإنسان عنه عبر الثقافات والأديان والأجيال

كملاذ من الخوف ومخرج من الصراع ودواء للشعور بالذنب والاضطراب الداخلي. غير أن السلام الحقيقي، بحسب الإعلان الكتابي، ليس مجرّد غياب للمشاكل أو هدوء الظروف، بل هو حالة شاملة من الكمال والانسجام والترميم، نابعة من الله نفسه ومبنيّة على طبيعته الأبدية: المحبة والأمانة والرحمة وسلطانه المطلق على كلّ شيء.
سلام الله ليس حالة نفسيّة مؤقّتة، بل حضور إلهيّ فعّال يسكن في قلب الإنسان المؤمن ويحفظه.
ليس شيئًا يملكه الإنسان بذاته، بل هو ما يملكه الله ويشركنا فيه. لذلك يُدعى "سلام الله" لا سلام الإنسان، لأن مصدره ليس داخلنا بل من فوق. وكما يقول الرسول: "وَإِلَهُ السَّلاَمِ يَكُونُ مَعَكُمْ." (فيلبي 9:4) إنَّ هذا السلام لا ينفصل عن حضور الله، فحيث يكون الله حاضرًا، يكون سلامه حاضرًا أيضًا.
قال القديس أغسطينوس Augustine of Hippo: "قلوبُنا لا تجد راحتها إلّا فيك". هذه العبارة ليست تأمّلاً شاعريًا، بل تشخيصًا روحيًّا دقيقًا لطبيعة الإنسان. فالإنسان خُلق بالله ولله، لذلك يبقى في داخله فراغ بحجم الأبدية. قد يملأ هذا الفراغ بإنجازٍ أو مالٍ أو علاقة أو حتى خدمةٍ روحيّة، لكنّ شيئًا من هذه لا يمنحه سلامًا ثابتًا. لأنها أمور خارجية، متغيّرة، قابلة للفقدان. أمّا القلب فمخلوق ليرتكز على غير المتغيّر. حين يضع الإنسان ثقته في إنجازاته، يعيش قلقُ الحفاظ عليها. وحين يضع رجاءه في المال، يخاف خسارته. وحين يعلّق قلبه على أشخاص، يرتعبُ من فقدِهِم. لكن حين يتّكل على الله، يستند إلى من لا يتغيّر، ولا يسقط، ولا يخيب.
وهنا تكمن الحقيقة العميقة: الإنسان لا يبحث عن السلام بقدر ما يبحث، دون أن يدري، عن الله نفسه. لأن الله ليس مجرّد مُعطي سلام، بل هو مصدره وجوهره. لذلك يُدعَى: "رَبُّ السَّلاَمِ". (٢تسالونيكي 16:3) لهذا يقول الرسول بولس: "... لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". (رومية 1:5) يبدأ السلام بالمصالحة، والمصالحة تبدأ بالرجوع إلى الله. إنّ الاضطراب ليس علامة ضعف نفسي فقط، بل هو علامة انفصال روحي. فالخطية تفصل، والانفصال يولّد قلقًا، والقلق يكشف احتياج القلب للعودة إلى أصله.
وعندما يدخل الإنسان في شركة حقيقيّة مع الله، لا تختفي المشاكل، لكن يتغيّر مركز الثقل الداخلي. لم يعد القلب متعلّقًا بما يتزعزع، بل بمن لا يتزعزع. السلام في الله ليس هدوءًا سطحيًّا، بل ثباتًا عميقًا. ليس غياب الصراع، بل حضور السيادة الإلهيّة وسط الصراع. ليس تخديرًا للمشاعر، بل اطمئنانًا مبنيًّا على معرفة شخصيّة بمن يُمسك الغد. يقول لويس C. S. Lewis: "لا يعِدنا الله بحياة سهلة، بل بحضوره معنا» وحضورُه هو مصدر السلام. فالسلام المسيحي ليس وعدًا بسماءٍ بلا عواصف، بل وعدٌ بحضورٍ إلهي وسط العاصفة.
ولأن هذا السلام ليس مفهومًا نفسيًّا ولا فكرة فلسفيّة، بل حقيقة لاهوتيّة عميقة لا تنبع من داخل الإنسان ولا يُكتسَب بالجهد أو الانضباط الذاتي، لكنّه يُعطَى من فوق ويُختَبَر من خلال علاقة عهديّة مع الله. لذلك فالسلام في الكتاب المقدس ليس إنجازًا بشريًّا، بل هبة إلهيّة، لأن إلهنا هو "إله السلام". (رومية 33:15)
وقبل أن نتعمّق في هذا الموضوع، دعني أوجّه إليك سؤالًا صادقًا أيها القارئ العزيز: إن كنت تشعر بالاكتفاء، وتظنّ أنك تمتلك السلام الحقيقي ولا تحتاج إلى فهم أعمق أو اختبار أرسخ، فربما لا تحتاج إلى متابعة القراءة. أمّا إن كنت تشعر أن السلام الذي تعيشه هشّ ومتقلّب ومرتبط بالظروف، وتشتاق إلى سلام ثابت لا ينهار عند العاصفة، فتعالَ نتأمّل معًا في السلام الذي أسّسه الله وأعلنه في كلمته.

السلام عطيّة العهد
مع أن السلام من أعظم احتياجات الإنسان، إلّا أنه أيضًا من أكثر المفاهيم التي أُسيء فهمها. فالعالم يعرّف السلام بأنه غياب المشاكل أو استقرار الظروف، أمّا الكتاب المقدس فيقدّم سلامًا أعمق وأرسخ، سلامًا متجذّرًا في علاقة العهد مع الله. لذلك قال الربّ يسوع لتلاميذه وهو مقبل إلى الصليب: "سَلَامًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا". (يوحنا 27:14) سلام المسيح لا يُستمدّ من الظروف، بل من شخصه. إنه سلام يُعطى قبل العاصفة، ويثبت أثناءها، ويستمرّ بعدها، لأنّه سلام عهد لا يتزعزع.

السلام في العهد القديم والجديد
في العهد القديم، تعبّر كلمة السلام في العبرية "شالوم" عن الكمال والطمأنينة والبركة الناتجة عن العيش داخل عهد الله. لم يكن السلام وعدًا عاطفيًّا، بل واقعًا عهديًّا ثابتًا مرتبطًا بأمانة الله، لذلك يعلن الرب: "وَعَهْدُ سَلاَمِي لَا يَتَزَعْزَعُ". (إشعياء 10:54) هذا السلام لا يعني غياب المشاكل، بل حضور الله وسطها.
نراه في دانيال الذي أُلقِيَ في جبّ الأسود؛ لم يمنعه الإيمان من الدخول إلى الجبّ، لكنّه حفظه داخله. دخل دانيال الجبّ بسلام، لأن ثقته لم تكن في قوّة بشريّة، بل في أمانة الله الذي أرسل ملاكه وسدّ أفواه الأسود. سلام العهد بين الله وشعبه أقوى من أفواه الأسود لأنّه مؤسَّس على سلطان الله المطلق.
ونراه أيضًا في المرأة الشونميّة التي عندما مات ابنها وسُئلت: "أسلام؟" فأجابت بكلمة واحدة: "سلام". لم يكن ذلك إنكارًا للألم، بل إعلان ثقة بإله العهد. كان سلامها سابقًا للمعجزة، هذا السلام الذي لا يمنع العاصفة لكنّه يحفظ القلب والفكر خلالها لأنه نابع من المعرفة الشخصيّة بالإله الجدير بالثقة واختبار حقيقي عملي لمحبّته وسلطانه المطلق فوق الظروف. لذلك يؤكد المزمور: "كَثِيرٌ سَلَامُ مُحِبِّي شَرِيعَتِكَ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَعْثَرَةٌ." (مزمور 165:119)
أما في العهد الجديد، فكلمة السلام في اليونانية (إيريني) تشير إلى حالة داخليّة عميقة ناتجة عن مصالحة حقيقيّة مع الله وطمأنينة مبنيّة على علاقة عهديّة أيضًا، تكمَّلَت وتجسَّدت في شخص الرب يسوع المسيح. لم يعد السلام مرتبطًا بلوحَي شريعة، بل بدم العهد الجديد. قال الرب يسوع: "هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي." (لوقا 20:22)
العهد الجديد لم يُبنَ على وعودٍ بشرية متقلّبة، بل أُقيم بعمل المسيح الكفّاري على الصليب. عهدٌ مضمونٌ بالدم، ومختومٌ بالروح القدس، فلا يتزعزع بثقل الأيام ولا تدركه تقلّبات الظروف، لأنّه قائم على أمانة الله لا على ضعف الإنسان. فبواسطة دم المسيح صار السلام ثمرة المصالحة مع الله، ولم يعد مجرّد نظرية أو وعد مستقبلي، بل واقعًا نعيشه وقوّة تعمل فينا وتغيّر العالم.
يشهد سفر الأعمال عن التلاميذ أنهم "فتنوا المسكونة" (أعمال 6:17) لم تكن فتنتهم بالسيف أو أيّ سلاحٍ بشري، بل بسلام غير قابل للكسر، سلام مؤسَّس على الصليب ومُثبَّت بالقيامة ومضمون بالروح القدس. كانوا يُضطَهَدون ولا ينهزمون، يُجلَدون ويفرَحون، يُهدَّدون ويجاهرون بالكلمة (١كورنثوس 8:4-٩)، لأنهم فهموا أن السلام الذي نالوه ليس سلامًا مساومًا، بل سلامًا منتصرًا.
فالسلام في العهد القديم كان وعدًا محفوظًا بأمانة الله في ظلّ الرمز، وفي العهد الجديد صار شخصًا حاضرًا حيًّا فينا. لم يعد فقط "عهد سلام"، بل "ربّ السلام" نفسه يسير معنا!

أبعاد السلام الكتابي: السلام الكتابي سلام شامل غير مُجزّأ:
١. سلام مع الله يؤسّس العلاقة
٢. سلام الله يحرس القلب والفكر
٣. سلام مع النفس يشفي الداخل
٤. سلام مع الآخرين يشهد للمسيح
في قلب هذه الأبعاد جميعًا يقف سلام الله الذي يفوق كلّ عقل ويحفظ القلوب والأفكار في المسيح يسوع.يتبع

المجموعة: نيسان (إبريل) 2026

logo

دورة مجانية للدروس بالمراسلة

فرصة نادرة تمكنك من دراسة حياة السيد المسيح، ودراسة حياة ورسائل بولس الرسول. عندما تنتهي من هاتين الدراستين تكون قد أكملت دراسة معظم أسفار العهد الجديد. تتألف كل سلسلة من ثلاثين درسًا. تُمنح في نهاية كل منها شهادة خاصة. للمباشرة بالدراسة، أضغط على خانة الاشتراك واملأ البيانات. 

صوت الكرازة بالإنجيل

Voice of Preaching the Gospel
PO Box 15013
Colorado Springs, CO 80935
Email: hope@vopg.com
Fax & Tel: (719) 574-6075

عدد الزوار حاليا

78 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

إحصاءات

عدد الزيارات
13920659