تمرّ ذكرى قيامة المسيح وينجلي العيد، فترفع المحلّات صيصانها وأرانبها وأدوات تزيين البيض،
وتضع عوضًا عنه زينة عيد الأمّ. وتستمرّ الحياة، ونعود إلى أعمالنا. هل قيامة المسيح عيدٌ نحتفل به ثم نُكمل حياتنا؟ هذا ما فعله بطرس في البداية مع أنّ يسوع دعاه ليصير وباقي التلاميذ صيّادي الناس. ها هو يعود وإيّاهم لصيد السّمك بعدما قام المسيح، لكن يسوع المحبّ ذهب إليه، وجَبَرَ خاطره في فشله، وأعطاه سمكًا كثيرًا في شبكته، ثم دعاه ليرعى غنمه.
يأتي سفر أعمال الرّسل في كتابنا المقدّس بعد أحداث القيامة، ونتعلّم منه ما يجب أن يستمرّ في حياتنا بعد القيامة:
1- الصّلاة باستمرار
يُنهي الطبيب لوقا إنجيله بهذه الآية، "وَكَانُوا كُلَّ حِينٍ فِي الْهَيْكَلِ يُسَبِّحُونَ وَيُبَارِكُونَ اللهَ"، ثم يُكمل في أعمال 14:1 "هؤُلاَءِ كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلاَةِ وَالطِّلْبَةِ، مَعَ النِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ." كم من الناس اقتبسوا المزمور 90 خلال جائحة الكورونا عن مواعيد الله في الحماية من الوباء والخطر! ولكن بمَ يبدأ هذا المزمور؟ "اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ، فِي ظِلِّ الْقَدِيرِ يَبِيتُ." ليس الله آلةَ الصرّاف التي نذهب إليها عند الحاجة.
ذهب رجلٌ ساذجٌ إلى محطّة الإطفاء وقال للشباب، هل لا تزوروننا إذا لم نتّصل بكم وندعوكم؟ نعم، لأنّهم خدمات الطوارئ، لا نتّصل بهم إلّا عند الحاجة، أما الله فهو أبونا، وجميع الآباء يتوقون إلى علاقةِ محبّةٍ وانفتاحٍ وشركةٍ مع أولادهم، وكيف نشعر عندما لا يتّصل بنا أولادنا إلّا عند الحاجة؟ يدعونا الله لكي نسكن في محضره ونصلّي له دائمًا. هذا ما فعله التلاميذ بعد قيامة يسوع حسبما أمرهم. لم يكن ذلك سهلًا، فَهُمْ من الجليل وبيوتهم بعيدة، ولكنهم جميعًا أطاعوا وبقوا في أورشليم إلى أن يُلْبَسوا قوّةً من الأعالي. وهذا يأتي بنا إلى تأثير القيامة الثاني في حياتنا.
2- طاعة الله البارّ
درس التلاميذ الكتب المقدّسة، فقد تمّم يسوع نبوّاتٍ كثيرة في ولادته وحياته وصلبه وقيامته، ولكنهم قرأوا نبوّةً في المزمور 8:109 تقول، "وَوَظِيفَتُهُ لِيَأْخُذْهَا آخَرُ"، أي وظيفة يهوذا الخائن الذي سلّم يسوع. وأقاموا اثنين عوضًا عن يهوذا وصلّوا، ثم ألقوا قرعة مستندين إلى ما كُتِب في سفر الأمثال 33:16 "الْقُرْعَةُ تُلْقَى فِي الْحِضْنِ، وَمِنَ الرَّبِّ كُلُّ حُكْمِهَا." يطلب الله أن نطيعه في أفكارنا وأقوالنا وتصرّفاتنا، ربّما في الإقلاع عن إدمانٍ ليس بالضرورة على الدّخان والكحول، بل التعلّق بأي شيء يضرّ بصحّتنا أو يسرق وقتنا حتى لو كان قهوةً كثيرةً أو مأكولاتٍ سكّرية أو تطبيقًا مُسَلِّيًا على الهاتف المحمول. يختم كاتب الرسالة إلى العبرانيّين في آخر فصل بكلمات مباركة تربط القيامة بالطاعة، "وَإِلهُ السَّلاَمِ الَّذِي أَقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ، رَبَّنَا يَسُوعَ، بِدَمِ الْعَهْدِ الأَبَدِيِّ، لِيُكَمِّلْكُمْ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ لِتَصْنَعُوا مَشِيئَتَهُ، عَامِلًا فِيكُمْ مَا يُرْضِي أَمَامَهُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي لَهُ الْمَجْدُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ." (20:13-21)
3- الاهتمام بالآخرين والمساكين
كانوا معًا يعبدون ويتعلّمون، ويشتركون في كلّ شيء، ولاحقًا ترتّبت الخدمات للعناية مثلًا بالأرامل. أبشع ما في الحياة هو الشفقة على الذات. علينا أنْ نخرج ونهتمّ بغيرنا ونرى آلام الآخرين ونعينهم. لماذا يموت أحد أفراد عائلتي في عمر مبكّر؟ لماذا أنا بلا طفل، لماذا لا أملك بيتًا أو سيارة حديثة؟ عدّدْ إحسانات الربّ لك وتذكّرْ أنَّ ما لديك حلمٌ لكثيرين، وبإمكانك مساعدتهم.
4- مشاركة الأخبار السارّة
ينتهي إنجيل متّى، بعد سرد قصّة القيامة، بالمأموريّة العُظمى أي "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ"، ونقرأ عن المؤمنين في (أعمال 42:5) أنهم كانوا "كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ وَفِي الْبُيُوتِ مُعَلِّمِينَ وَمُبَشِّرِينَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ". ذهب بطرس إلى بيت كرنيليوس، وانطلق فيلبّس إلى منطقة السامرة المنبوذة، ثم أُرسِلَ بولس وبرنابا وآخرون في رحلات تبشيريّة. هل هدفك خلاص النفوس؟ هل نشفق على مَنْ أسَرَهُمْ إبليس؟ هل نشعر مع المرضى والمساكين؟ هل نزورهم ونصلّي لأجلهم؟ هل قلوبنا مثقلة بالآخرين، أم تتمحور صلواتنا حول بيوتنا وأولادنا وأعمالنا؟ يدعونا ربّنا يسوع بعد أن تألّم لأجلنا وقام لكي نحيا حياة القيامة كلّ أيامنا إلى أن نلتقيه عن قريب.


