Voice of Preaching the Gospel

vopg

قَبْلَما يَنفَصمُ حَبْلُ الفضَّةْ أو يَنْسَحقُ كوزُ الذَّهَبْ

نظرَ الطبيبُ إلى مريضِه وقال: لديَّ خَبَرانِ لكَ، واحدٌ سيِّءٌ والآخَرُ أسوأُ منه. قال المريض: إذنْ قُلْ ليَ السيِّءَ أوّلًا. فردَّ الطبيبُ بالقول: الخبرُ السَّيِّء هو أنَّهُ لم يبقَ لديكَ سوى أربعٍ وعشرين ساعةً على قَيْدِ الحياة. أمَّا الخبرُ الأكثرُ سوءًا منهُ فهو أنَّني نسَيْتُ أن أُخبرَك بذلكَ البارحَة!
وتتكرَّرُ الأخبارُ المُزدوِجة من جيدة وسيئة في عالمِ الإنسان. فيتأرجَحُ في قبضتِها بين كرٍّ وفرٍّ وتجيشُ معها المشاعرُ بالصعودِ تارةً وبالهبوطِ تارةً أخرى. ويبقَى الإنسانُ الطَّبيعي متمسِّكًا بالحياة بكلِّ ما أُوتِيَ من قوّةٍ ناسيًا أو متناسيًا أنَّه يومًا ما سيترُكُ هذا العالمَ إلى غيرِ رجْعَة. فمهما طالَ عمرُه وزادَتْ أيّامُه فإنَّها لا بدَّ أن تنتهي يومًا من الأيام سواءً كانَ ذلكَ عاجلًا أم آجِلًا. "تعبٌ كلُّها الحياةُ، فما أعجبُ إلَّا مِنْ راغبٍ بازديادِ." أليسَ هذا ما أنشدَه الشاعرُ أبو العلاءِ المعرّي!
فما هيَ الحياة؟ إنَّها بخارٌ يظهرُ قليلًا ثمَّ يضمحِلُّ. بحسَبِ قولِ الرسول يعقوب في العهد الجديد. قالَها في سِياقِ حديثِه عن تخطيطِ الإنسانِ لحياتِه وعمَلِه وعائلتِه متناسيًا مشيئةَ الله فيها وأنَّها هي بيدِه تعالى لأنَّه هو مَنْ وضَعَ نسمةَ الحياةِ فينا. فقال ما يلي: "هَلُمَّ الآنَ أيُّها القائلونَ: "نذهبُ اليومَ أو غدًا إلى هذه المدينة أو تلك... ونتَّجِرُ ونربح." أنتمُ الذينَ لا تعرفونَ أمْرَ الغد! لأنَّهُ ما هي حياتُكم؟ إنَّها بخارٌ، يظهرُ قليلًا ثمَّ يضمحِلّ. عِوَضَ أن تقولوا: "إنْ شاءَ الربُّ وعِشْنا نفعلُ هذا أو ذاك." (يعقوب 13:4-15)
ووصفَ النبيُّ داود الحياةَ أيضًا فقال: "هوَّذا جعلْتَ أيَّامي أشبارًا، وعُمري كَلَا شيءٍ قدَّامَك. إنَّما نفخةً كلُّ إنسانٍ قد جُعِلْ." (5:39) يعبِّرُ هنا عن قِصَرِ الحياةِ البشرية وزوالِها لأنَّها مجرَّدُ نفخةٍ أي مؤقّتة مقارنةً بالحياةِ الأبدية. أمَّا أيُّوب الصدّيق فقدْ قال عن حياتِه: "أيَّامي أسرع من عدّاء، تَفِرُّ ولا ترى خيرًا." (25:9) وقال عنها حكيمُ الجامعة سليمان ما يلي: "لأنَّه مَنْ يَعرفُ ما هو خيرٌ للإنسان في الحياةِ، مدَّةَ أيام حياةِ باطلِهِ التي يَقضيها كالظلّ؟ ..." (12:6)
أمَّا يعقوبُ العهدِ القديم وحينَ سألهُ الملكُ فرعون قائلًا له: "كَم هي أيَّامُ سِني حياتِكَ؟" فلم يتلكَّأْ لحظةً إذ أجاب: "أيامُ سِني غُربتي مئةٌ وثلاثون سنة. قليلةً ورَدِيَّةً كانت أيامُ سني حياتي..." (تكوين 8:47-9) اعتبرَ حياتَه مجرَّدَ غُرْبة وهو المغتربُ فيها. وهنا وردَتْ على فكري كلمات الترنيمة بالإنكليزية التي تقول:
This world is not my home
I am just a passing through
هذا العالمُ ليس هو بيتي، لأنَّني أنا فيه مجرَّدُ عابرِ طَريق. وعلى الرَّغم من معرفةِ الإنسان الطبيعي، بأنَّه غريبٌ وعابِر وحياتُه قصيرة وإن طالتْ، إلَّا أننا نجدُه متعلِّقًا بها ومتمسّكًا فيها ويعملُ من أجلها ومن أجل التحصيلِ على أمجادِها ومكاسبِها، وكأنَّه سيأخذُها معه، دونَ أن يحسِبَ لما بعدَ هذه الحياة حسابًا. ألمْ يطلبْ ألكسندرُ الأكبر الذي بَهَر العالمَ بقوّتِه وجبروتِه، بأنْ يُخرِجوا يديْهِ خارجَ التابوت الذي كانَ سينقلُهُ إلى مَثواهُ الأخير، مشيرًا بذلكَ إلى أنَّه لم يأخذْ معه شيئًا! وأنَّه جاءَ إلى الدُّنيا خاليَ الوِفاض وسيُغادرُها كذلك!
وحين ننظرُ إلى عالمِنا وخاصةً اليوم، نرى أغلبَ القادة والرؤساء يتمسَّكونَ بكراسيهِم ومناصبهِم ويأبَوْن أن يحِلَّ أحدٌ مكانَهم ويتصرَّفون وكأنَّهم امتلَكوا العالمَ بأسْرِه وهم غيرُ عالمين أو غيرُ آبِِهين أنَّه في ساعةٍ لا يظنُّون مجدُ هذا العالم سيزول! لقد شبَّه أحدُهم مجدَ هذا العالم بفُقاعةِ هواء كلَّما كَبٌُرَتْ وانتفخَتْ، شارفتْ على الانفجار. ترُى "ماذا ينتفع الإنسانُ لو ربِح العالمَ كلَّه وخسرَ نفسه؟" (متى 26:16) هذا ما سألهُ الفادي المسيح مرةً وحذَّر منه كلَّ إنسان. لأنَّ قيمةَ الإنسان تكمنُ في جوهره ونفسِه وليس في مقتنياتِه. لهذا نقرأُ بعضًا ممَّا قالهُ الحكيمُ في سفر الجامعة 12 واصفًا الإنسان حين يشيخُ. فعَلى الرغم من أنَّه كانَ ملكًا ولم يمنه شيئًا عن عينيه، إلَّا أنَّه قال ناصحًا الإنسانَ بما يلي: "فاذكُرْ خالقَك في أيَّام شبابِك، قبلَ أن تأتي أيامُ الشرِّ أو تجيءَ السنونُ إذ تقولُ: "ليسَ لي فيها سرور". قبلَ ما تُظلمُ الشمسُ والنور والقمرُ والنجومُ، وترجِعُ السُّحبُ بعدَ المطر." (1-2) وهنا يحثُّ فيه الإنسان أن يذكُرَ خالقَه وهو شاب وليس عندَما يصبحُ شيخًا أو عاجزًا. لأنَّه لا يدري ماذا يحمِلُهُ له المستقبل من ظروفٍ أو أيامٍ متغيّرة، وقبلَ أن يتراجعَ النَّظرُ (كما فسَّره المفسّرون) لأنَّه لن يعودَ يستطيعُ التمييزَ بينَ النَّهار والليل ويصبحُ عُرْضَةً للأمراضِ كعودة السُّحبِ بعدَ المطر. ومن أكثرِ ما لفتَ نظري هو التشابيه التي استخدمها في الوصف فقال: "في يومٍ يتزعزعُ فيه حفَظَةُ البيت، وتتلوَّى رجالُ القوة، وتَبْطُلُ الطواحين لأنَّها قلَّتْ، وتُظلمُ النَّواظِرُ من الشَّبابيك." وهنا فسَّر (الأب داود لمعي) ليقول بأنَّ حفَظَةَ البيت تشيرُ إلى الأيدي العاملة ولكنَّها الآن ارتخَت، ورجالُ القوة تشيرُ إلى الرجلَيْن اللَّتَيْن لم تَعودا تَقدرانِ على حَمْل الجسد. أمَّا الطَّواحنُ التي هي الأسنان فقد أضحتْ قليلةً ولا تستطيعُ مضْغَ الطعامِ جيّدًا. وكان من عادةِ الإنسان أن يُمَتِّع نظرَه مِن الشبَّاك فيرى المارّة ويتسلَّى لكنَّه حتى هذهِ الرغبة فقدَها.
وعندما تابع سليمانُ الوصف قال: "وتُغلَقُ الأبوابُ في السوق. حينَ ينخفضُ صوتُ المِطحنةِ، ويقومُ لصوتِ العصفور، وتُحَطُّ كلُّ بناتِ الغناء". والمعنى هنا بحسب (الأب لمعي) يتعلَّقُ بالبيت الذي أصبحَ مهجورًا لا حركةَ فيهِ ولا أحدَ يفتحُ بابَ البيت. وصوتُ المِطحنة كانَ دليلًا على الحياة في البيت، لكنَّه توقّفَ إذ ليسَ مَن يقوم بالعمل. كما أصبحَ نومُ الشيخ في البيت خفيفًا بحيثُ صار يتأثَّر بزقزقةِ العصافير. أمّا بناتُ الغناء فهي الحِبالُ الصوتيَّة التي باتتْ ضعيفةً لا تقدرُ على الغِناء أو حتى الكلامِ بوضوح. وأبلغ تشبيهٍ لسليمان كان قوله: "قبلَ ما ينفصِمُ حبلُ الفضة" الذي هو العمودُ الفِقَري، فهذا يضعفُ وينحَني ويصبحُ مفكَّكًا أحيانًا. "أو ينسحقُ كوزُ الذهب" أي العقل يبدأ بالنِّسيان والتراجع. وقال سليمان عن نهاية الإنسان: "فيرجِعُ الترابُ إلى الأرضِ كما كان، وترجعُ الروحُ إلى الله الذي أعطاها." (ع 7) ألمْ يخلقِ الله الإنسانَ من تراب الأرض؟ بالطبع، لذا يعودُ الجسدُ الذي أصلُه تراب إلى التراب. بينما ترجِعُ الروحُ إلى الله الذي أعطاها. فالروح لا تموتُ لأنَّها نسمةُ الله في الإنسان. إذن قيمةُ الإنسان ليست هي في المظهرِ الذي يَظهرُ فيه أمامَ الناس بل هي الروحُ الخالدة داخلَه. ويختمُ سليمان ليقول: "باطلُ الأباطيل الكلُّ باطل." إذن كل ما هو مرتبطٌ بالجسد هو باطلْ أما الروح فهي الباقية وهي التي تحظَى بالحياة الأبدية التي لا تنتهي. وهنا نفهم لماذا حثَّ سليمانُ الحكيم الإنسانَ الطبيعي أن يذكُرَ خالقَه في أيام شبابِه. لأنَّ العلاقةَ الحيّة مع الله الخالق هي مصدرُ السلام والرَّجاء الحقيقي لكلّ فرد. وهنا قال: "فَلْنسمعْ ختامَ الأمرِ كُلِّه: اتَّقِ الله واحفظْ وصاياه، لأنَّ هذا هو الإنسانُ كلُّه." (الجامعة 13:12)
ولهذا أيضًا صلَّى الربُّ يسوع قائلًا: "وهذه هي الحياةُ الأبدية: أن يعرفوكَ أنتَ الإلهَ الحقيقيَ وحدَك ويسوعَ المسيح الذي أرسلْتَه." (يوحنا 3:17) وقال أيضًا لمرثا: "أنا هو القيامةُ والحياةُ. مَن آمَن بي ولو مات فسيحيا. وكلُّ مَن كان حيًّا وآمن بي فلنْ يموت إلى الأبد." (25:11-26) فهل نحن مستعدّون أن نحسِبَ لحياتنا الأبدية حسابًا وفي ريْعان الشباب؟ عندها نكون قد أَحْصَيَنا أيامَنا فعلًا وأُوتينا قلبَ حكمة. وساعتَئذٍ سنقضي الأبدية في محضرِ الله الآب الحنون ويسوعَ المسيح المذبوح لأجلِنا، والروحِ القدس المُحيي. وبالتالي سنكونُ قد ختمْنا قصةَ حياتنا الجسدية والروحية في سفرِ حياةِ الخروف ويا لسعادتِنا بهذا اللقاء والمحضر!

المجموعة: آب (أغسطس) 2026

logo

دورة مجانية للدروس بالمراسلة

فرصة نادرة تمكنك من دراسة حياة السيد المسيح، ودراسة حياة ورسائل بولس الرسول. عندما تنتهي من هاتين الدراستين تكون قد أكملت دراسة معظم أسفار العهد الجديد. تتألف كل سلسلة من ثلاثين درسًا. تُمنح في نهاية كل منها شهادة خاصة. للمباشرة بالدراسة، أضغط على خانة الاشتراك واملأ البيانات. 

صوت الكرازة بالإنجيل

Voice of Preaching the Gospel
PO Box 15013
Colorado Springs, CO 80935
Email: hope@vopg.com
Fax & Tel: (719) 574-6075

عدد الزوار حاليا

114 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

إحصاءات

عدد الزيارات
14447414