نحن أمام محبّة المسيح التي لها نواحٍ متعدّدة في صليب المسيح، وهي متميّزة عن بعضها البعض،
والمتجهة إلى الإنسان الذي كان الغرض من خلقه أن يتمجّد الله فيه "... ولمجدي خلقته وجبلته وصنعته." (إشعياء 7:43) ولكي يتمّ هذا، فلا بدّ من أن يُظهِر الطاعة لخالقه، وذلك بامتحان عن طريق وصيّة أدبيّة. وسقط الإنسان في الامتحان، وكان ردّ فعل الله لمشكلة السقوط أن الله تبنّى القضيّة بخلاف ما تمّ عند سقوط الملائكة، ومن هنا نجد ظهور جوانب محبّة المسيح في الصليب:
1- محبة الله للعالم
"لأنّه هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ." (يوحنا 16:3) وهنا نجد أن إعلان محبّة الله لا يتوقّف بسبب شرّ العالم وفساده، لكن الأمر يتعلّق بالله في ظهور محبّته التي جعلته يبذل ابنه الوحيد لأجلهم. "فِي هذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا." (1يوحنا 10:4)
والمحبّة المعدّة للعالم أجمع مجّانًا - من جهة العالم - لكن ليس من جانب الله الذي بذل ابنه. ولم يستفدْ من المحبّة كلّ العالم بل وما أكثر الرافضين لشخص المسيح! فإنه "كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ." (يوحنا 10:1) لكن صليب المسيح أعلن محبّة الله للبشرية. "ولكنّ الله بيّن محبّته لنا، لأنّه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا." (رومية 8:5)
نجد هنا ثلاثة أسباب تبيّن لماذا أظهر الله محبّته للعالم على الصليب:
1- لأنّ الشيطان الكذّاب، وأبو الكذّاب منذ بدء الخليقة شكك أبوانا وكلّ الخليقة بأن الله لا يحبّنا.
2- في صليب المسيح أعلن الله صدق كلمته بأنّ "أجرة الخطية هي موت".
3- أعطانا الحياة الأبديّة مجانًا لكي لا نهلك هلاكًا أبديًّا.
فهل تأتي إليه الآن لتنجو من هذه الدينونة وتكون مع المسيح في سعادة أبدية.
2- محبّة الابن للآب
"ولكن ليفهم العالم أنّي أحبّ الآب، وكما أوصاني الآب هكذا أفعل..." (يوحنا 31:14) والرب يسوع، وهو ذاهبٌ إلى الصليب - في قلبه أن يُظهِر محبّته للآب في طاعةٍ وتمجيدٍ له - الذي لن يتمجّد تمجيدًا كاملاً على هذه الأرض إلّا في الصليب، لذا؛ فالربّ يسوع تعامل مع الصليب بأنّه وصيّة من الآب له، وبدافع محبّته لأبيه ذهب للصليب لا ليرفع الخطايا فقط بل؛ ليمجّد الآب، ويردّ مجده المسلوب بخطيّة الإنسان.
لقد تمجّد الله في عمل ابنه الحبيب أكثر جدًّا ممّا فقده بخطيّة الإنسان، إذ قدّم نفسه ذبيحة رائحة سرور لله، وهكذا ارتبط مجد الله بخلاصنا. لذا، ذهب الرب يسوع للصليب طوعًا وبكامل إرادته واختباره وطاعته لأبيه لكي يعرف العالم بأنّه أحبّ الآب. وإذ تمجّد الله في عمل ابنه، فأمكنه أن يكون عادلاً، ويبرّر كلّ من يؤمن بابنه الوحيد. الذي له كل المجد!
3- محبة المسيح للكنيسة
وهنا أيضًا جانب للمحبّة ظهر في صليب الربّ يسوع وهو محبّته للكنيسة، وحيث الآب قد تمجّد من طاعة ابنه بالذهاب للصليب... وحيث أن الآب يريد أبناء كثيرين للمجد "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ..." (رومية 29:8) ويكون هؤلاء أيضًا عروسة لابنه مكافأة لعمله. وهؤلاء أيضًا يكونون مسكنًا للروح القدس. وهذه المحبة هي لأعضاء جسده من لحمه ومن عظامه، "كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا." (أفسس 25:5). والكنيسة ليست أناسًا من العالم الذي أحبّه الله وحلّ مشكلته، لكنّها أولئك الذين آمنوا بالربّ ونالوا الحياة الأبدية فلن يهلكوا. فهي مختارة من قِبل الآب منذ الأزل (أفسس 4:1) ومركزها مرتبط بالابن الوحيد ليكون واحدًا (أفسس 23:1) فلم يوضع في هذا المركز سوى الكنيسة وارتباط الابن بالكنيسة كان لا بدّ من دفع المهر حيث أسلم نفسه لأجلها. والعجيب أن الذي يأتي الآن مؤمنًا بعمل المسيح سينضمّ للكنيسة وعندما يأتي المسيح ليأخذ كنيسته ستكون معه إلى أبد الآبدين.


