"فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ مَنًا مِنْ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ، وَدَهَنَتْ قَدَمَيْ يَسُوعَ." (يوحنا 3:12)
"وَجَاءَ أَيْضًا نِيقُودِيمُوسُ... وَهُوَ حَامِلٌ مَزِيجَ مُرّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَنًا." وما أعظم الفرق بين العطيتين...
لقد أعطت مريم منًا واحدًا، وأعطى نيقوديموس مئة منٍ.
لكن مريم أعطت يسوع الحيّ قبل الصليب، أما نيقوديموس فأعطى لجسد يسوع بعد الصليب.
كانت عطية مريم بدافع الإعجاب القوي والحبّ الخالص، وكانت عطية نيقوديموس بدافع من وخز الضمير وتبكيته.
كانت مريم تابعة للمسيح جهرًا وعلنًا، في الوقت الذي جاء فيه نيقوديموس إلى المسيح ليلاً (يوحنا 2:3) غالبًا بسبب الخوف من اليهود (38:19) فلا غرو إذا لم تحظَ عطيته إلا بالذكر العابر في الوقت الذي امتدح فيه الربّ عطية مريم عاليًا.
لقد قيل عن الربّ أنه لم يكن له أين يسند رأسه، فهل قدّم له نيقوديموس المأوى في يوم ما؟
لقد كان نيقوديموس عضوًا في السنهدريم... الهيئة التي حوكم أمامها يسوع – فهل قدّم عن المسيح دفاعًا؟ فهو إما أنه كان غائبًا أثناء المحاكمة لأسباب تثير التساؤل، أو أنه كان صامتًا صمتًا يثير أكثر من التساؤل. وكم كان يسرّ الربّ حينئذ لو خرج صوت من هذا المكان للشهادة له أو للدفاع عنه، ولكن نيقوديموس هذا الغائب في شك أو الصامت في ريبة، يأتي بعد الصلب ومعه مئة منًا من مرّ وعود لتحنيط الجسد.
ليتنا ونحن نتأمّل شخصية نيقوديموس – المؤمن الخائف – نتذكّر أن أجمل هدية يمكن أن نقدّمها للربّ اليوم هو أن نشهد له جهارًا وبلا خوف، لا بالكلام فقط ولكن بالسلوك أيضًا، عالمين أن أقلّ عمل نقدّمه (الآن) خير من كلّ عملٍ كبير نقدّمه في (الغد) غير المضمون، وأن وردة تقدّمها لأخيك اليوم هي خيرٌ من أكبر باقة زهور تضعها على قبره غدًا.


