"إِنِّي أَحْسِبُ نَفْسِي سَعِيدًا" (أعمال 1:26).
مرّ الرسول بولس بظروف قاسية دوّنها في 2كورنثوس 23:11-27. وعندما قال "إِنِّي أَحْسِبُ نَفْسِي سَعِيدًا" كان مقيّدًا في يديه
ورجليه متَّهَمًا بتهمتين خطيرتين بأنّه مُفسِدٌ ومهيّج فتنةٍ. كان بعض اليهود يتربّصون له قاصدين قتله - ولو حدث ذلك مع شخص غيره لجلس يندب حظّه العاثر الذي أوقعه بين أيدي أناس هم وحوش في صورة بشر. لم يتكلّم بولس بكلمة تذمّر أو أنين، أو شكوى، لكنّه كان سعيدًا فعلًا! أتخيّل أنه عندما قال إني أحسب نفسي سعيدًا اندهش السامعون وقالوا أين هي السعادة؟ في الحقيقة أنهم لم يعرفوا ما عرفه بولس، ولم يختبروا ما اختبره.
كان بولس سعيدًا لأسباب كثيرة أذكر منها أربعة أمور:
أولاً: الصفح والغفران
ارتكب بولس - عندما كان اسمه شاول - شرورًا فظيعة، ولما طلب الربّ من حنانيّا أن يذهب إلى الزقاق ويطلب من بيت يهوذا رجلاً اسمه شاول، قال حنانيا: "يَا رَبُّ، قَدْ سَمِعْتُ مِنْ كَثِيرِينَ عَنْ هذَا الرَّجُلِ، كَمْ مِنَ الشُّرُورِ فَعَلَ بِقِدِّيسِيكَ فِي أُورُشَلِيمَ. وَههُنَا لَهُ سُلْطَانٌ مِنْ قِبَلِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُوثِقَ جَمِيعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِكَ". (أعمال 13:9-14)
واعترف بولس نفسه قائلاً: "أَنِّي كُنْتُ أَضْطَهِدُ كَنِيسَةَ اللهِ بِإِفْرَاطٍ وَأُتْلِفُهَا." (غلاطية 13:1) واعترف مرّة أخرى قائلاً: "أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا..." (1تيموثاوس 13:1) هل لمثل هذا مكان في المغفرة الإلهية؟ يقول هو بنفسه: "وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ... صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا." (ع 14-15) كلّ إنسان مهما كانت خطاياه يمكنه أن يتمتّع بصفح الله وغفرانه إن أقرّ بخطاياه وتركها. ويقول الله في الرسالة إلى العبرانيين: "لأَنِّي أَكُونُ صَفُوحًا عَنْ آثَامِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطَايَاهُمْ وَتَعَدِّيَاتِهِمْ فِي مَا بَعْدُ." (12:8)
لما خلص الخصي الحبشي واعتمد "ذهب في طريقه فرحًا." (أعمال 39:8)
ثانيًا: القوة والسلطان
يعطي الله أتباعه سلطانًا خاصًا:
1- يصير الإنسان بهذا السلطان ابنًا لله. "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ." (يوحنا 12:1) "اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ." (رومية 16:8)
يحقّ لنا أن نهتف مردّدين القول مع يوحنا: "اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلَادَ اللهِ!" (1يوحنا 1:3)
2- ندوس بهذا السلطان الحيّات والعقارب وكلّ قوّة العدو - لا يقدر أيّ عدوّ أن يواجهنا ويهزمنا.
3- نقدر بهذا السلطان أن نطفئ جميع سهام الشرير الملتهبة – بهذا السلطان إبليس تحت الأقدام... "وَإِلهُ السَّلاَمِ سَيَسْحَقُ الشَّيْطَانَ تَحْتَ أَرْجُلِكُمْ سَرِيعًا." (رومية 20:16)
4- نستطيع بهذا السلطان أن نعظ ونوبّخ. أوصى بولس تيطس قائلاً: "تَكَلَّمْ بِهذِهِ، وَعِظْ، وَوَبِّخْ بِكُلِّ سُلْطَانٍ." (تيطس 15:2) يستغلّ البعض هذا السلطان استغلالًا سيّئًا – يوبّخون الآخرين على أشياء هم أنفسهم يعملونها... من يوبّخ ويعظ هو خادم الرب القدوة "فِي الْكَلاَمِ، فِي التَّصَرُّفِ، فِي الْمَحَبَّةِ، فِي الرُّوحِ، فِي الإِيمَانِ، فِي الطَّهَارَةِ." (1تيموثاوس 12:4)
ثالثًا: السلام والأمان
كان بولس - وكلّ مؤمن حقيقي - يتمتّع بسلام الله... سلام الله الذي تركه لنا وأعطاه لنا؛ وصف هذا السلام بأنّه "يفوق كلّ عقل". لا يتأثّر هذا السلام بأيّ شيء! "أَسَلَامٌ لَكِ؟ أَسَلَامٌ لِزَوْجِكِ؟ أَسَلَامٌ لِلْوَلَدِ؟ فَقَالَتْ: سَلَامٌ." (2ملوك 26:4) بهذا السلام أنشد المرنمون:
سلامٌ يسود حياتي ولا يعتريه الأفول
وقال آخر: "سلامك يفوق العقول"
سرور... سرور... نصيبي في الحياة
سلام... سلام... فقسمتي الإله.
رابعًا: الرجاء والضمان
تحدث الرسول بولس كثيرًا عن هذا الرجاء ووصفه بأنه: رجاء صالح: "وَرَبُّنَا نَفْسُهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، وَاللهُ أَبُونَا الَّذِي أَحَبَّنَا وَأَعْطَانَا عَزَاءً أَبَدِيًّا وَرَجَاءً صَالِحًا بِالنِّعْمَةِ." (2تسالونيكي 16:2)
رجاء مبارك: "منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح." (تيطس 13:2)
رجاء حيّ... "مبارك الله أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ ولدنا ثانية لرجاء حيّ، بقيامة يسوع المسيح من الأموات." (1بطرس 3:1)
رجاء أفضل – إذ الناموس لم يكمل شيئًا ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله.
كان بولس يتمتّع أيضًا بالضمان... ولكلّ مؤمن أيضًا يقول الرب يسوع - له كلّ المجد: "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي." (يوحنا 27:10-28)
كيف لإنسان أن يتمتّع بهذه الأشياء العظيمة ولا يسعد بعد الصفح والغفران، والقوة والسلطان، والسلام والأمان، والرجاء والضمان؟! مثل هذا الإنسان لا يكون إلّا فرحًا، هللويا!


