تكلَّمنا مُسبقًا عن الصُّور المتنوّعة التي استخدَمها الربُّ يسوع في إجابته الإيضاحيَّة للفريسيّين والكتبة رؤساءِ اليهود.
فبيَّن لهم من خلال تلكَ الصور بأنَّ الإنسانَ يحتاجُ إلى التوبة لأنَّه لم يأتِ ليدعو الأبرارَ أي الذين يتمسَّكون ببرِّهم الذاتي، بل الخطاةَ إلى التوبة. ثم قالَ لهم بأنَّه ما دام هو (أي العريس) مع تلاميذه فهُم لا يحتاجون إلى الصوم. واستخدَمَ مَثَلَ الرُّقعةِ الجديدة على ثوبٍ قديم والخمرةِ الجديدة في زِقاقٍ عتيق. كلاهُما لا ينفعان. لأنَّ القلبَ بحاجةٍ إلى تغيير من الدَّاخل تغييرًا جذريًّا. وأوضحَ لهم مِنْ مَثَل العُرْس والمدعوّين بأنَّه هو الذي يمنحُ الخلاصَ والبِرَّ الكامل التي هي ثيابُ العرس. واليوم نكمِلُ تأمُّلَنا مع النقطتَيْن الهامَّتَيْن التاليتَيْن:
ثالثًا: خمرةٌ جديدة وترنيمةٌ جديدة
لاحظْ هذه الصورةَ الرائعة جدًّا الخمرة الجديدة في زِقاق جديد. لأنَّك لا تستطيع أن تضعَها في زِقاقٍ عتيق. ففي تلكَ الأيام كانَ الزِّقاقُ مصنوعًا من جِلْدِ الماعز. والخمرةُ الجديدة تحوي على Oxidant أي مُؤَكسِد بكميّةٍ عالية، وإذا ما وُضِعَتْ في زِقاقٍ قديم كانت تشقُّه فتَسيلُ الخمرة. وهنا الخمرةُ الجديدة هي صورةٌ لِأفراحِ الرّوح القدس مثلَما تُقدَّمُ الخمرةُ في الأعراس للفرح. فالروحُ القدس لا يسكنُ في جسدٍ غيرِ مطهَّر أي في وعاءٍ قديم. يقول: "وإلهُ السلام نفسُه يقدِّسُكم بالتَّمام. وَلْتُحفَظْ روحُكم ونفسُكم وجسدُكم كاملةً بلا لوم..." (1تسالونيكي 23:5) (الجسدُ الذي هو لحمٌ ودم.) هكذا أيضًا هو عمَلُ الروح القدس حين ينسكِبُ في قلوب الناس. وليس من خلالِ مراسيمَ أو طقوسِ العملِ الكهنوتي. الخمرةُ الماديَّة تمنحُ الإنسانَ فرحًا مؤقّتًا. أما الخمرةُ الرُّوحية فهي تُفَرِّحُ إلى الأبد. يقولُ المزمور 15:104 "وخمرٍ تفرِّحُ قلبَ الإنسان، لإلماعِ وجهِه أكثرَ من الزيت، وخبزٍ يسندُ قلب الإنسان." فمِنَ المصيبة أن تسكرَ بالخمرة لأنَّها تقبِّح وتقرِّح. لكنَّ خمرَ الروح القدس يفرِّحُ إلى الأبد، إذ يبعثُ الفرحَ الحقيقي في القلب. هل تعلم كم من الأشخاص يموتون في أميركا بسببِ إدمانِ الخمرة والسكر؟ 178 ألف شخص يموتون كلَّ سنة من جرَّاء الإدمان. لكنَّ الخمرة الروحيّة تُحيِي وهذه صورةٌ لروح الله. وهناك أيضًا 29 مليون أمريكي من عمر 12-82 مدمنون على الخمرة. و228 مليار دولار تُصرف على شراء الخمرة في كلِّ عام. فلو خصَّصوا عشرين بالمئة من هذا المبلغ لإطعامِ الجياع لانتهتْ مشكلةُ الجوع في العالم.
"وأمّا ثمرُ الروح فهو: محبةٌ فرحٌ سلام..." (غلاطية 22:5) كيف تستطيعُ أن تختبرَ فرحَ الروح القدس؟ طبعًا بالحياة المكرَّسة للرب في كلِّ يوم، قُلْ للربّ امتلِكْ حياتي. وهي أيضًا من ثمار الروح القدس. يقول الرسول بولس: "افرحوا في الربِّ كلَّ حين. وأقول أيضًا افرحوا." (فيلبي 4:4)
والسؤالُ الآن هو: كيف تفرحُ بالربِّ كلَّ حين؟
ذكَّرني الربُّ بثلاثة أشياء:
أ- أن أصلّي بلا انقطاع. "صلُّوا بلا انقطاع." (1تسالونيكي 17:5)
ب- أن ألهجَ بكلمته المقدسة كلّ يوم. "لكنْ في ناموس الربِّ مسرّتُه وفي ناموسه يلهَجُ نهارًا وليلًا." (مزمور 2:1)
ت- أن أشكرَ في كلِّ حين. "شاكرين كلَّ حين على كل ِّشيء في اسم ربِّنا يسوعَ المسيح، لله ِوالآب." (أفسس 20:5)
هل تعلم لماذا ينقصُنا الفرحُ في حياتنا؟ لأنَّنا لا نصرِفُ وقتًا كافيًا مع الربّ. تُرى كم ساعةً يصرفُ الإنسانُ العادي على الشاشة، النيت، التلفاز، أو السوشال ميديا أو الكمبيوتر في كلِّ يوم؟ من (7-12) ساعة في اليوم الواحد. أمَّا الوقت الذي يقضيهِ مع أحبَّائه فلا يتجاوزُ 35 دقيقة فقط يوميًّا! إذ ليسَ هناك وقت. والآن ماذا عن العلاقة والشركة اليوميّة مع الربّ؟ كم من الوقتِ تقضيه معه؟ بينَكَ وبينَه، الخمرة الجديدة التي تفرِّح قلبَ الإنسان. قلْ للربّ اسكُبْ من روحِكَ فيَّ وعلِّمني كيف أصلّي بالروح ومن كلِّ القلب.
رابعًا: وصيّة جديدة ورؤية جديدة
قال الربّ يسوع المسيح: "وصيّةً جديدة أنا أعطيكم: أن تحبُّوا بعضُكم بعضًا. كما أحببْتُكم أنا تحبُّون أنتم أيضًا بعضُكم بعضًا."(يوحنا 34:13) لماذا قالَ عنها الربُّ يسوع إنَّها وصيةٌ جديدة؟ لأنه أراهم نفسَه مثالًا لهذه المحبّة "كما أحببتُكُم أنا]. أحببتُكم بأقصى درَجات الحبّ المضحّي وأنتمْ خطاةٌ فَمُتُّ لأجلِكم أي للمنتهى. محبة عظيمة ومحبّة غير مشروطة! ليس أن تحبُّوا بعضُكم بعضًا فحسب بل أن تحبُّوا أعداءَكم أيضًا.
في كتاب للقس الأمريكي ديفيد ويلكرسون "الخنجر والصليب"؛ وتدورُ أحداثُ هذه القصة الحقيقية خلالَ الخمسينات حين دخلَ عالم العصاباتِ من المراهقين في نيويورك. كان خادمًا صغيرًا يبلغُ من العمر 23 عامًا ويخدمُ في الرّيف حين دعاهُ الله إلى هناك لمساعدةِ الشبابِ الضَّائع من المدمنينَ على المخدّرات. وحين تقابلَ ديفيد مع نيكي كروز أحدِ قادة هذه العصابات والمسكونِ بالأرواح الشريرة كان دائمًا يقول لـ ديفيد: "أنا تعلَّمتُ الكراهيَّة منذُ الصِّغر" وراحَ يهدِّده. وفي إحدى المرّات سَئِمَ جدًا كروز من ديفيد الذي كانَ يلاحقُه ويقول له: "يسوعُ يحبُّك". فسَحب عليه الخنجَر ووضعَه على رقبتِه وقال: "سأقطِّعُك إلى ألفِ قطعة." فردَّ عليه القس ويلكرسون: "إذا فعلتَ ذلك فإنَّ كلَّ قطعةٍ مني ستقولُ لك: إنَّ يسوع يحبُّك." فبقِيتْ هذه الجملةُ عالقةً في فكره وأحدثتْ صراعًا في داخلِه. وقرَّر بعدَها أن يذهب إلى مكان الاجتماع حيثُ يعِظُ هذا القس الشاب وهو مزمعٌ أن يقلِب المكانَ رأسًا على عَقِب، وأن يزرعَ الفوضى بين الحاضرين. لكنْ حصلَ ما لم يكنْ في الحِسبان إذ صار العكسُ تمامًا، وتبكَّت كثيرًا على أعماله الشريرة فركَع وطلبَ من الربِّ أن يغيِّرَ حياتَهُ. وصلَّى قائلًا: "إن كنتَ يا ربُّ موجودًا فأزِلِ الحقدَ من قلبي. وأنا مستعدٌّ أن أسلِّم نفسي لكَ." وهذا ما حدث. وتغيَّر قلبُه فعلًا بعدَ صلاةِ التوبة هذه وأصبحَ خليقةً جديدة. نعم، هذه هي المحبةُ التي أحبَّنا بها يسوع وهي ذاتُها انسكبَتْ في قلوبنا بالروحِ القدس. وكما أحبَّنا المسيح هكذا ينبغي لنا أن يحبَّ بعضُنا بعضًا وأن نتواصلَ مع الناس بهذه المحبة. ألا يقول: "وأمَّا غايةُ الوصية فهي المحبةُ من قلبٍ طاهر." (1تيموثاوس 5:1)
خليقة جديدة ورؤية جديدة أيضًا
هناك شيءٌ رائع بالرؤية الجديدة. يقول إشعياء النبيّ في الفصل السادس بالروح القدس ما يلي: "في سنة ِوفاةِ عُزِّيا الملك، رأيتُ السيِّد جالسًا على كرسيٍّ عالٍ ومرتفعٍ، وأذيالُه تملأُ الهيكل." (1) ويخبرُنا يوحنا اللَّاهوتي عن الذي رآهُ هو أيضًا فدوّن: "فقال لي: هؤلاء همُ الذين أتَوا من الضيقة العظيمة، وقد غسَّلوا ثيابَهم وبيَّضوا ثيابَهم في دم الخروف... لن يجوعوا بعد، ولن يعطَشوا بعدُ، ولا تقعُ عليهِم الشمسُ ولا شيءٌ من الحرّ، لأنَّ الخروفَ الذي في وسَطِ العرش يرعاهُم، ويقتادُهم إلى ينابيعِ ماءٍ حيّةٍ، ويمسحُ اللهُ كلَّ دمعةٍ من عيونِهم." (رؤيا 14:7 و16-17) أجل، لأنَّ الجالسَ على العرش الخروفَ المذبوح وحدَه يرعَى شعبَه ويقتادُ أولادَه إلى ينابيعِ مياه حيّة. فإذا كنتَ يا أخي تمرُّ بظروفٍ صعبةٍ الآن، أو قد تمرُّ بها مستقبَلًا فلا تخفْ، ثبّت عيناكَ على الجالسِ على العرش الخروفِ العظيم المذبوح لأجلِك. لأنَّه ما زال هناكَ قائمًا يسمعُ ويستجيب. وَدَعْهُ يجلسَ على عرشِ قلبِك. وصلِّ هذه الصلاة:
يا رب، غيّرني من الداخل. "قلبًا نقيًّا اخلق فيَّ يا الله، وروحًا مستقيمًا جدّد في داخلي." (مزمور 10:51)


