المجلة
في حضنِ ليلةٍ هادئة، كانت الثلوج تتساقط كحبّات لؤلؤٍ بيضاء من بين أصابع السماء،
تغطّي الأرض بسجّادٍ من السكون والصفاء. وقف جورج عند النافذة الزجاجيّة يتأمّل عائلته وهي تتقدّم نحو الكنيسة بين الأضواء المتلألِئة، كأنّ خطواتهم تهتزّ في صمت الليل البارد، بينما تذوب ضحكاتهم في الهواء كأغاني الريح بين الأشجار. أما هو فبقي جالسًا بجانب مدفأته، يرى في الذهاب إلى الكنيسة طقسًا بلا روح، واحتفالًا بلا معنى.
كيف يؤمن بأنّ الله تجسّد في جسد إنسان؟ كيف يقبَل أن السماء لامست الأرض في شخص المسيح؟ كان منطقه يصرخ في داخله: "إن كان الله روحًا، فكيف يحلّ في جسد؟ وإن كان فوق الزمان والمكان، فكيف يولد في مذودٍ حقير؟ أهي الحقيقة أم مجرّد حكاية تُقال للصغار؟"
كانت النار أمامه تُغنّي للموقد، ترسل ألسنتها إلى أعلى كأنّها صلاة تصعد من الأرض إلى السماء، غير أنه بقي جامد الفكر، متردّد القلب، تحيط به الحيرة كظلٍّ لا يفارقه. لقد كان قريبًا من دفء النار، لكنه بعيدٌ عن نور الإيمان ودفء الحقيقة.
هبط الظلام ببطءٍ على القرية الصغيرة، والثلج يتساقط في صمتٍ ناعمٍ يغلِّف كلّ شيء بطبقةٍ من البياض البارد. في الداخل، جلس جورج أمام المدفأة يحتسي كوب الشاي الساخن ببطء، يتأمّل بخاره المتصاعد كأفكارٍ متردّدةٍ تبحث عن مرفأ. كان الدفء ينساب في الغرفة كما لو أنه كائنٌ حيٌّ يتنفّس بهدوء… وفجأة، دوّى صوت ارتطامٍ قويّ على زجاج النافذة، فرفع رأسه مذعورًا!
رأى عصفورًا دوريًّا صغيرًا قد ارتطم بالزجاج وهو يحاول الوصول إلى الضوء والدفء في الداخل. كان العصفور ضعيف الريش، يرتجف من قسوة البرد، وقد ارتطم بالزجاج في صمتٍ يائس، كأن العالم كلّه قد انطفأ حوله. ألوانه الباهتة الممزوجة ببياض الثلج تتلألأ في ضوء النار، كأن الطبيعة نفسها أرادت أن تذكّره بالضعف الذي لا يُقاوم. لم يكن يدرك حاجز الزجاج، فكلّ ما كان يعرفه هو غريزة النجاة والرغبة الجامحة في الدفء الذي يلوح بعيدًا عنه، في عالمٍ يزداد بردًا وصمتًا حوله.
شعر جورج بانقباضٍ في صدره، وبرغبةٍ لم يعرفها من قبل: أن يحمي، أن يحنو، أن يمدّ جسرًا بين العالمَين — بين الخوف والأمان، بين الموت والحياة.
فتح الباب الجانبي ومدّ يده للعصفور هامسًا:
"لا تخف… أنا هنا… أريد أن أساعدك."
لكن العصفور فرَّ مذعورًا، غير مدركٍ أن اليد الممدودة إليه كانت تملك الدفء والنجاة.
لم تمضِِ لحظات حتى سمع صوت ارتطامٍ ثانٍ، أعقبه صمتٌ موجع.
أسرع إلى النافذة، فرأى العصفور ساقطًا على الأرض يرتجف بين الثلج والهواء البارد.
اقترب جورج أكثر، وقلبه يغمره شعور بالرحمة، متمنّيًا لو استطاع أن يكلّمه ليقول له:
"لا تخف… أنا هنا… أنا لا أريد أن أؤذيك… بل أن أنقذك."
لكن العصفور هرب مرة أخرى، يعرج مكسور الرجل، واختفى في الظلام.
عاد جورج مكسور القلب إلى مقعده قرب الموقدة. وبينما كانت يداه تحتضنان كوب الشاي الساخن، دوّى صوت ارتطامٍ ثالث، أقوى من سابقيه. اندفع العصفور نحو الزجاج بكلّ ما يملك من قوة، في محاولةٍ يائسة للوصول إلى الدفء المنشود، فاصطدم وسقط على بطنه محطّم الجناح أيضًا.
ركض جورج نحو الباب الجانبي، صفّر له بلطف وفتح له طريق الأمان، لكن دون جدوى.
لم يفهم العصفور لغة جورج، ولم يدرك قصده ولا قلبه. فمضى مختفيًا في الظلام.
وقف جورج مذهولًا يراقب ذلك المخلوق الصغير الذي يسعى بكلّ ما فيه إلى الحياة، ولا يعلم أن نجاته قريبة جدًّا… قريبة، ولكن حاجز الزجاج يفصله عنها.
مدّ جورج يديه نحوه وقلبه يرتجف بشفقةٍ لا توصف، بينما اختفى الدوري في الظلام الدامس.
تمنّى لو يستطيع أن يصير عصفورًا مثله، أن يتكلّم لغته، ليشرح له أنه يحبّه، ولن يؤذيه، بل يريد أن يخلّصه من الظلام والبرد والموت. تمنّى أن يمنحه حياةً، لا مجرّد نجاة — حياةً أفضل.
جلس أمام الموقد، والنار تتراقص كأنها تحكي ما لا يُقال.
وفجأة، وسط الصمت المضيء، سمع صوتًا داخليًّا رقيقًا وعميقًا في آنٍ واحد يقول له: "هذا ما فعلتُه أنا لأجلك."
تجمّد في مكانه واهتزّ كيانه، وكأنّ الستار انكشف فجأة عن سرٍّ أبديٍّ:
الرب يسوع المسيح ترك مجد السماء وتسابيح الملائكة، وتجسّد في جسد إنسانٍ ضعيف، ليُعرّفنا محبّة الله الآب ويُنقذنا من الموت الذي لا مهرب منه. صار إنسانًا ليتكلّم لغتنا، ليقترب من ضعفنا، وليقدّم لنا حياةً جديدة، لا مجرّد نجاة، بل حياةً أفضل.
لم تعدْ المسألة عنده فلسفةً عن التجسّد، بل صارت اختبارًا حيًّا لرحمةٍ تتجاوز العقل.
جلس طويلًا، والدموع تترقرق في عينيه، والنار أمامه لم تعدْ لهبًا فحسب، بل نورًا يملأ قلبه بحضور الله الذي لم يعرفه من قبل ليتكلّم معه بلغته. "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الْآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" (يُوحَنَّا 14:1).
أدرك أن الله لم يبقَ بعيدًا كما ظنّ، بل اقترب… اقترب وتكلّم في شخص الربّ يسوع المسيح المتجسّد حتى صار ممكنًا أن ندرك محبة الله التي لنا في المسيح نحن البشر الضعفاء. نعم، تجسّد ليتكلّم لغتنا، ليعلن محبّة الله لنا، ويخلّص ما قد هلك، ويقيم سلّمًا من النور يصل بين السماء والأرض.
أغمض جورج عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا، مستسلمًا بكل جوارحه لتلك الحقيقة: أن المسيح جاء في جسد إنسان ليتكلّم لغة الإنسان ويعلن قلب الله المليء بالمحبّة الإلهيّة، وتحّمل ضعف البشر... دفع ثمن خطايانا بالحبّ الكامل والتضحية على الصليب، وأنه يقدّم لكلّ إنسان حياة جديدة ملؤها السلام والفرح والطمأنينة. شعر بأن كلّ مقاومة قد انحسرت، وكلّ شكّ قد تلاشى، وأن قلبه صار مرآة نقيّة للحبّ الإلهي، يقبله بلا شروط، ويقبل التجسّد والخلاص بكلّ معناه العميق.
ابتسم جورج لأوّل مرّة بإحساس حقيقيّ بالفرح والسلام، عارفًا أنّ كلّ من يثق بالمسيح ويقبله يجد ملجأه الأبدي، حيث لا حزن ولا ألم، وحيث يسود النور والطمأنينة. وجد ملجأه في حضن المسيح الحاضر معه دائمًا، يمنح الحياة والمغفرة والأمل والدفء الأبدي. في تلك الليلة وسط صمت الكون ووميض النجوم، فهم جورج أن عيد الميلاد هو تجربة حيّة للمحبّة المتجسّدة.
وبينما هو غارق في هذا الإدراك العجيب، سمع خطواتٍ مألوفة عند الباب، وضحكاتٍ تعبق بالبرد والفرح — كانت عائلته قد عادت من الكنيسة. نهض جورج بسرعة، فتح الباب واحتضنهم كما لو أنه يراهم لأوّل مرة. كانت في عينيه نجمة ميلادٍ جديدة، وفي قلبه أنشودة لم يعرفها من قبل.
ضحك وبكى في آنٍ واحد، وامتلأ البيت بدفءٍ لم تصنعه النار، بل حبّ المسيح المتجسّد في قلبه.
لم يعد الثلج خارج النافذة يذكّره بالبرد، بل بالنور الذي دخل بيته وسكن قلبه إلى الأبد.
"لِأَنَّهُ هُوَ سَلَامُنَا، الَّذِي جَعَلَ الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ، أَيِ الْعَدَاوَةَ. مُبْطِلًا بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الِاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلَامًا، وَيُصَالِحَ الِاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلًا الْعَدَاوَةَ بِهِ" (أَفَسُسَ ٢: ١٤-١٦).
في تلك الليلة الثلجيّة، فهم جورج أن الميلاد ليس احتفال أضواءٍ وهدايا، بل ذكرى محبة المسيح المتجسِّدة، القريبة والملموسة؛ ليس قصة تُروى، بل حياة تُعاش بإيمانٍ وفرحٍ وسلامٍ يفوق كلّ عقل، وتعلن لنا كلمة الله هذا الحقّ العميق:
"الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلَّهِ، لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتِ، مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ، لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ، لِمَجْدِ اللهِ الآبِ" (فيلبي 6:2–١٠).


