Voice of Preaching the Gospel

vopg

الأخت أدما حبيبيدقَّ جرسُ الباب فاستغربَتِ الممرّضة الشابة ونظرتْ إلى ابنها الوحيد ذي الثماني سنوات وقالت: مَن الطارقُ يا ترى في مثلِ هذه الساعة؟ ولمَّا شرعَتْ بفتح الباب فوجئت بساعي البريد يسلِّمها رسالةً مسجلة، فوقَّعت اسمها على خانة الاستلام وشكرتْه بكلِّ لطف على تعبه في السنة الجديدة.

وحينَ عادتْ إلى الغرفة همَّت بفتح الرسالة التي بدتْ وكأنَّها وثيقة رسمية آتية من مكتب أحد المحامين المعروفين. فقرأت ما يلي:
"شكرًا لكِ أيَّتها الممرضة على كل الإحسان والرعاية اللَّتين قدمتِهما لي حين كنت مريضًا. وشكرًا لكلِّ الأوقات التي جلسنا فيها سويًا أتحدث فيها إليك عن معاناتي في الحياة وأنتِ تستمعين لي بانتباه وتُنصتين إلى كل ما كنت أقوله لك. لهذا فلقد قرَّرت في وصيتي الأخيرة قبل انتقالي من هذا العالم أن أتركَ لكِ مبلغًا من المال يساعدُك في دفع الفواتير الباهظة المتراكمة عليك، بسبب العملية الجراحية التي أجريْتها لابنك الوحيد. وبما أنه بدأ يتعافى الآن فأنا مسرور بأنْ أُساهم بمبلغ قدره مئة ألف دولار لكي تستطيعي تسديد كلِّ الديون المتعلِّقة بتطبيب ابنك الغالي. وشكرًا لكِ مرة أخرى."
فاضت مآقيها بالدموع وراحتْ تبكي فرحًا، وضمَّت ابنها الوحيد إلى صدرها وهي تقول: غير معقول، لا بل مستحيل! لن تصدِّق يا ابني ما هي هذه الورقة الرسمية، لن تصدِّق يا حبيبي. وحين استفسرَ ابنُها عن محتواها أخبرتْه بأنَّ المريض الذي كانت تعتني به وترعاه لسنينَ عديدة قبل أن يمرض هو وتصبح متفرّغة بالكلية للعناية به، قد فارقَ الحياة منذ أسبوعين وقد ترك لها في وصيَّته الأخيرة مبلغًا كبيرًا من المال لتسديد نفقات الجراحة في القلب التي أُجريت له. فبكى هو الآخر ورفعا كلاهما نظرَهما إلى السماء شاكرَين الله على تسديد احتياجهما من مصدرٍ لم يكونا يتوقّعانِه البتة. فعلًا إنَّ هذا الموسم هو موسم المفاجآت والمعجزات.
لكنَّ الأمرَ هذا بدا مختلفًا تمامًا في بيتٍ آخر، إذ جرى الحديثُ بينَ الأخ وأخته البالغَيْن على الشكل التالي. قال الأخ: "لا أصدّق هذا الأمر الذي أعلمنا به المحامي، إذ كيف يمكن أن يغيِّر والدُنا وصيَّته قبل مماتِه، ولا يترك لنا شيئًا أنا وأنتِ؟ ومَن هي هذه الممرّضة التي سلبَت أموالَ أبينا وضحكتْ عليه؟" أمّا الأخت فبقيتْ جامدة في مكانها غيرَ مصدّقة ما حدث بعدَ أن أعلمَهما المحامي عن أمرِ الوصية. لم تكنْ وصيةُ الأب لهما لَتحمِلُ سوى بطاقة يعبّرُ فيها الأبُ عن حبّه لولديه، وبطاقة أخرى كان الأب قد احتفظ بها في كل تلك السنين الماضية، لأنَّها إحدى الرسوم التي رسَمها ابنُه له يوم كان بعدُ صغيرًا.
وعندما أفاقت الأختُ من الدهشة والذهول الَّذين أصاباها راحت تقول لأخيها: حالًا يجب علينا أن نقدِّم رسالةَ طعنٍ بالوصيّة عند القاضي لأنه من غير المعقول أن يقوم والدنا بتغيير وصيته في السنين الأخيرة من حياته. لا بدَّ أن هذه الممرضة استدرجتْ أبانا وحمَلته على تغييرها نَصبًا واحتيالًا وتملّقًا. وما أن انتهت من تحليلاتها هذه حتى قال الأخ لها: أنا لن يهدأ لي بال حتى أجد هذه الممرضة وأسترجع ما نهبتْه من والدنا. وسأقوم أنا بنفسي في التحرّي عنها ومعرفة سرِّها.
أما الممرضة ومع اقتراب السنة الجديدة فلقد أفصحَت لابنها الصغير بأنَّ الوصية حملت لهما أيضًا مفاجأة ثانية ألا وهي عطلة لمدة أسبوعين في منتجَعٍ فخم في قرية جبلية مطلّة. سُرَّ الصبيُّ الصغير أيَّما سرور وأعدَّ نفسه للحال كيما يصحَب والدته إلى هناك. إذ إنَّه فعلًا بحاجةٍ إلى فترة ترفيه وراحة بعد أن قضى سنتين في المرض والألم. وما أن وصلا إلى المنتجع حتى ظنَّا أنفسهما بأنَّهما في حلم وليس في علْم. فمنظرُ الثلج الناصع البياض يغطي الشوارع والبيوتَ والتلال، والقرية الصغيرة القائمة في الوسط تعجُّ بالزائرين والمقيمين، وأصوات الموسيقى تصدحُ في كل مكان. وعندما توقفت السيارةُ أمام الفندق المزدان بالزينة، تعجَّب الصبي من جمالهِ الأخَّاذ. فابتهج وسرَّ وقال لأمه: ستكون عطلةً جميلة يا ماما. وحين رافقتهما المضيفة إلى غرفتهما وشاهدا من النافذة الأضواء تتلألأ لمعانًا حولَهما والأشجار تتمايل مع كل ريح باردة، تأكَّدا بأنّهما فعلًا سيقضيان عطلة ممتعة.
لكن ما أن استعدّا للنوم حتى وصل الزائر المنتظَر بحسب ما أوعزَت إليها مضيفةُ الفندق، فقامت الممرضة باستقباله ووجَّهته إلى غرفته، وشرحت له بأنَّ المسؤولة قد غادرت للتوّ لجلب بعض الحاجيات. وحين عرَّفته عن نفسها وعن ابنها الصغير تأكَّد في داخله أنَّ هذه هي الممرضة التي سرقتْ أموالَ أبيه وهي تقضي العطلة هنا في هذا المنتجع أيضًا على حسابِ والده بحسب ما أعلمَه المحامي. فراح يتحرَّى في الأيام التالية عنها وصار يتقرَّب منها شيئًا فشيئًا ليتعرّف عن وضعها العائلي وعن عملها كممرضة. فكانت تجيبه عن أسئلته الكثيرة بكلّ صدق وأمانة. أما الصبي الصغير فلقد تعلّق بهذا الزائر الذي كان موهوبًا بالرسم جدًا، وعلَّمه خلال أيام كيف يتزلج على الجليد أيضًا.
تكررت اللقاءات بين الزائر، والأم والولد، ووثقت الأم بهذا الزائر الذي بدا مهتمًا جدًا بها وبابنها. فأبلغته مرةً بأنها قد تلقَّت مبلغًا من المال من أحد مرضاها بعد وفاته وهذا ما سيساعدها في تسديد المصاريف المترتبة عليها. للوقت أخفى الزائر عنها دهشته، وسألها عن سبب الديون، فاكتفت بالقول له بأنَّ الأوضاع المادية كانت صعبة في السنتين الماضيتين. لكنه فيما بعد راح يستدرجُ الولد الصغير ليأخذ منه معلومات جديدة. وسأله عمَّا يريد أن يكون حين يكبُر؟ فقال الصغير: لقد توقَّف الناس عن سؤالي عن طموحاتي حين أكبر، إذ إنني مؤخرًا عانيت من مرض خطير في القلب أخذ مني ومن عائلتي كل رجاء بالحياة. وظن الطبيب أنني سأموت لا محالة. تأثر الزائر جدًا، وأدرك ساعتئذٍ بأنَّ تسديد مصاريف المستشفى هي تلك الديون التي أراد أبوه أن يساهم فيها ليخفِّف عن عبء الممرضة الثقيل الذي كانت تحمله. وأنها كانت بالفعل مخلصة وأمينة في رعايتها لوالده حتى إنه عندما علم بحالها وبحال ابنها المريض أراد مساعدتها في دفع فواتير التطبيب. لكنّه بالطبع لم يعلن لها عن ذلك.
وفي الليلة التي كان فيها الجميع يستعدون للسهرة حضرت الأخت الكبرى من مدينتها إلى المنتجع، وهدَّدت أخاها الشاب بأنه إذا لم يُفصح للممرضة عن الحقيقة بأنه هو ابن ذلك المريض الذي ورثت عنه المبلغ الكبير، وأنه يريد الطعن بالوصية وتقديم الشكوى للمحكمة، لسوف تتكلم هي معها وجهًا لوجه. أما الأخ الذي كان قد انجذب إلى الممرضة وابنها، وتأكد من صدقِها، لم يشأ أن يكشف عند ذاك عن حقيقته وقرر عدم الاستمرار برفع الدعوى ضد الممرضة. وهنا استغلت الأخت الكبرى مقابلتها مع الممرضة في الفندق وحدهما، وأخبرتها بكل شيء. وعرّفتها بأنها وأخاها هما أولاد المريض الذي ترك لها المال. وأنهما يظنان بأنها قد تحايلتْ عليه حتى غيّر ما في الوصية. صُعقت الممرضة لهذا الخبر وجُرحت في الصميم، وقالت للزائر وأخته: أتظنان أنني أنا التي أجبرْت والدكما على فعل ذلك؟ أنا لم أفعلْ شيئًا من هذا القبيل. كل ما فعلته هو أنني اعتنيت به واستمعْت له، وعرفتُ قصته، وشعرْت بآلامه حين ترككما، وأنتما بعدُ في عمر مبكر. كان نادمًا جدًا على ما فعل وهو يحبكما جدًا. لقد اعترف بأنه أخطأ وأراد الاقتصاص من نفسه على فعلته تلك لذا عاش كل عمره وهو بعيد عنكما لأنه علم بأنه خسركما وخسر الفرصة إلى الأبد. شجّعته أنا على الرجوع إلى عائلته لكنه قال لي بالحرف الواحد لقد فاتت الفرصة. والآن، خذا أموالكما، فأنا لا أريدها، واغربا عن وجهي.
وفي تلك الليلة بالذات وبدلا من الاحتفال معا بسنة جديدة تركت الممرضة الفندق مع ابنها الصغير الذي لم يفقه شيئًا مما جرى، وامتطت سيارتها لتعود إلى المنزل بعد أن أصيبت بخيبة أمل كبيرة. تمنى الصبي الصغير على أمه أن تقف به للمرة الأخيرة قبل رجوعهما إلى البيت أمام الشجرة المزدانة بالأنوار وسط القرية، لكي يتأمل بها ويحفظ منظرها في ذاكرته. فقبلتْ وأوقفت السيارة ونزلا منها وراحا يتمشَّيان باتجاهها بينما مآقي الأم ممتلئة بالدموع. لكن ما هي إلا لحيظات حتى سمعا وقع أقدام على الثلج فالتفتا وإذا بالزائر وأخته يستوقفانها. اعتذرت الأخت الكبرى على كلامها الجارح وسوء الظن بها وبكت ندمًا، وكذا اعتذر الأخ عن عدم إفصاحه عن حقيقة تقرُّبه منها. لكنه الآن ها هو يطلب فرصة أخرى منها ولا يريد أن تفوت الفرصة كما فاتت على والده في إصلاح ما أفسده. وهنا قَبلتِ الممرضة اعتذاره، فأخذها بين ذراعيه وحضنها وعلامات البهجة والسرور تغمر وجهه. وللوقت توجَّه الجميع مع الصبي الصغير الذي امتلأ فرحًا وغبطة إلى الفندق ليحتفلوا معا بقدوم السنة الجديدة التي بدت أنها تحمل الأمل المشرق والرجاء الأكيد من جديد.
كانت هذه قصة فيلم من أفلام القناة الشهيرة Hallmark الذي شاهدته مؤخرًا وترك فيَّ أثرًا لما فيه من مغزى ودروس حياتية. أولى هذه الدروس هو عدم إصدار الأحكام على الناس. ألم يقل الرب يسوع لليهود الذين اعترضوا على شفائه لمريض في يوم السبت: "لا تحكموا حسب الظاهر بل احكموا حكما عادلًا." (يوحنا 24:7) وثانيهما هو أنه يجب ألا نشعر بالندم فحسب حين نقع في الخطأ، بل أن نهب ونقوم على تغيير المسار معبرين عن توبتنا الصادقة. فالله أبونا السماوي هو إله الفرص الجديدة. ألم يقبل الأب ابنه الضال الذي عاد إليه نادمًا وتائبًا في المثل الذي قدمه المسيح؟ وثالثًا: أن نكون صادقين وأمناء في كلّ ما أُوكلْنا عليه لأنَّ الرب نفسه يكافئ العبد الأمين. لا أعني أن يقتصر الأمر على الناحية المادية، بل على النواحي النفسية والمعنوية أيضًّا. فقد علَّمنا السيد أن نبدي اهتمامًا بالآخر ونستمع إلى معاناته ونكون أذنًا صاغية لحاجته... ألم يقُلِ المسيح: "تعالوا يا مباركي أبي رثِوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم. لأني جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني، كنت عريانًا فآويتموني... الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم." (متى 34:25-40) لأننا عندما نفعل ذلكَ لا بدَّ أن يتغيَّر المنظورُ لدينا ونعرفَ عندها كيف نتصرف ونتكلم ونسامح ونغفر ونقبل الاعتذار ونكسب الفرصَ الجديدة.

المجموعة: شباط (فبراير) 2018

logo

دورة مجانية للدروس بالمراسلة

فرصة نادرة تمكنك من دراسة حياة السيد المسيح، ودراسة حياة ورسائل بولس الرسول. عندما تنتهي من هاتين الدراستين تكون قد أكملت دراسة معظم أسفار العهد الجديد. تتألف كل سلسلة من ثلاثين درسًا. تُمنح في نهاية كل منها شهادة خاصة. للمباشرة بالدراسة، أضغط على خانة الاشتراك واملأ البيانات. 

صوت الكرازة بالإنجيل

Voice of Preaching the Gospel
PO Box 15013
Colorado Springs, CO 80935
Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
Fax & Tel: (719) 574-6075

عدد الزوار حاليا

439 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

إحصاءات

عدد الزيارات
4312249